عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 آب 2026

الانانية والبخل والشعر

مهيب البرغوثي

البخل والأنانية كلمتان، أو فعلان، أو حتى حجران، لكنهما من مقتل الشاعر، مع أشياء كثيرة أخرى. غير أن هاتين الصفتين، إذا اجتمعتا في شاعر، تحديدًا، لا في صاحب شكل آخر من أشكال الكتابة، فإنهما تقودانه إلى وادٍ واسع لا عودة بعدها.

حين يكون الشاعر جبانًا، يستعرض فحولته ورجولته على أهل بيته، وحين يكون فقيرًا، يستطيع أن يجرّب كرم أصدقائه. أما حين يكون الشاعر بخيلًا، فهنا الطامة الكبرى. فهو ليس بخيلًا بالمال أو بالطعام فقط، وإنما يكون بخيلًا وفقيرًا أيضًا في الكلمات. تأتي قصيدته مقتصدة إلى حد الموت، ضعيفة، لا تستحق أن تُحفظ أو تُتذكر.

والمصيبة الثانية حين يكون الشاعر بخيلًا وأنانيًا. هنا يكتمل الوصف الدقيق لمعنى «الميت الحي». الأنانية تجعل الشاعر مقتصدًا في الوصف، يهرب من المواجهة، يخاف أن يمنح القصيدة أكثر مما يمنح نفسه، ويضع دائمًا يده على فم اللغة كي لا تقول ما لا يريد لها أن تقول. وإضافة إلى ذلك، هو بخيل أيضًا، والشعر لا يحب البخيل.

الشاعر الحقيقي لا يملك الكلمات كما يملك البخيل نقوده. الكلمات ليست خزنة شخصية، ولا ميراثًا عائليًا، ولا عقارًا يخشى صاحبه أن يؤجره. الكلمة حين تأتي إلى الشاعر تريد أن تعيش، تريد أن تذهب أبعد منه، وأن تصل إلى شخص لا يعرفه، وربما إلى زمن لن يكون موجودًا فيه.

لذلك، فإن الشاعر البخيل يقتل قصيدته قبل أن تخرج من فمه. يضع لها سقفًا منخفضًا، ويحسب عدد الصور، ويخشى المبالغة، ويخاف من الاعتراف، كأن الشعر دائرة ضرائب يجب أن يصرّح فيها بكل كلمة قبل استخدامها.

أما الأناني، فإنه يريد القصيدة مرآة له فقط. لا يرى في العالم إلا ما يخدم صورته، ولا يمنح الآخرين وجودًا حقيقيًا داخل النص. حتى أصدقاؤه يتحولون إلى خلفية، والنساء إلى استعارات، والفقراء إلى ديكور، والموت إلى مناسبة لاستعراض الحزن. إنه لا يكتب العالم، بل يكتب نفسه وهو ينظر إلى العالم.

الشعر، في جوهره، فعل كرم. أن تمنح اللغة ما لا تستطيع استعادته. أن تضع خوفك على الطاولة، وأن تترك جرحك مفتوحًا أمام قارئ لا تعرفه. أن تقول شيئًا كان يمكن أن تصمت عنه، وأن تمنح الآخرين مساحة داخل قصيدتك حتى لو لم يصفقوا لك.

لهذا لا أعتقد أن الشاعر يستطيع أن يكون بخيلًا طويلًا. قد يخدعنا لبعض الوقت، قد يصنع قصيدة لامعة، وقد تجمع حوله الصالات والمهرجانات والجوائز، لكن القصيدة التي لا تعرف الكرم تموت سريعًا.

فالقصيدة لا تحتاج إلى شاعر غني بالمال، ولا إلى شاعر وسيم، ولا حتى إلى شاعر سعيد. تحتاج إلى شاعر قادر على أن يعطي.

والكلمات، مثل الأصدقاء، تعرف جيدًا من يفتح لها الباب، ومن يتركها واقفة في الخارج ترتجف من البرد .