عنب عرابة في عين القناص الاحتلالي
استثمار زراعي عمره 15 عاماً مهدد بالزوال بسبب إنذار بالإزالة

* مزرعة طارق الشاعر في سهل عرابة قد تنقلب إلى جحيم خلال 48 ساعة
* تبلغ مساحتها 6.5 من الدونمات وتضم نحو 750 دالية عنب وتمثل مصدر رزق للعائلة
* لا يفصل محصول العنب عن موعد قطافه الطبيعي سوى 20 إلى 25 يوماً
* الخسارة لا تقاس فقط بعدد صناديق العنب التي لم تصل إلى السوق بل أيضاً بقيمة السنوات التي صُنعت فيها هذه المزرعة
جنين- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات
في سهل عرابة، جنوب غرب مدينة جنين لا يخشى طارق الشاعر خسارة موسم عنب فحسب؛ بل يخشى أن يفقد أصلا إنتاجيا بناه مع عائلته على مدى 15 عاما. 6.5 دونمات، و750 دالية، واستثمارات بعشرات آلاف الشواقل، ومئات أيام العمل، كلها أصبحت مهددة بالإزالة خلال مهلة يقول إنه أُبلغ بها من قبل الاحتلال ولم تتجاوز 48 ساعة.
في العادة، يحتاج رأس المال إلى سنوات كي يبنى، وإلى مواسم متتالية كي يسترد صاحبه ما أنفقه عليه. أما في مزرعة طارق الشاعر في سهل عرابة، فقد انقلبت المعادلة: 15 عاما من الزراعة والاستثمار أصبحت مهددة بالانتهاء خلال 48 ساعة.
في السادسة والأربعين من عمره، يقف الشاعر أمام مزرعة تبلغ مساحتها 6.5 دونمات وتضم نحو 750 دالية عنب، لم تكن بالنسبة إليه مجرد مشروع زراعي، بل جزءا من اقتصاد عائلته وذاكرتها. والده، صاحب الأرض، كان الداعم الأكبر للمشروع، بينما تحولت المزرعة على مدى السنوات إلى موسم تنتظره الأسرة، كما تنتظره مجموعة من العمال الذين يجدون فيها عملا موسميا.
لكن اتصالا هاتفيا تلقاه مساء الجمعة، عند الساعة العاشرة، قلب حسابات الموسم.
يقول الشاعر إنه أُبلغ بأن إزالة المزرعة ستتم بعد 48 ساعة من التبليغ، في وقت لم يكن يفصل محصول العنب عن موعد قطافه الطبيعي سوى 20 إلى 25 يوما.
لم يكن أمامه متسع من الوقت لانتظار اكتمال الموسم، ولا فرصة كافية للبحث عن طريقة لإنقاذ كل ما استثمره في المزرعة.
فبدأ بقطف ما يستطيع وفتح باب البيع للناس، ليس عبر دورة التسويق المعتادة، وإنما في ظروف استثنائية وصفها بأنها محاولة لتخفيف الخسارة.
رأس مال نما مع "الدوالي"
قيمة المزرعة، في الحساب الاقتصادي، لا تبدأ من سعر صندوق العنب في السوق.
هناك 15 عاما من الإنفاق الذي سبق وصول الدوالي إلى مرحلة الإنتاج، وهناك شبكات الري والمياه والأسمدة والمبيدات والعمالة والمنشآت والتجهيزات، ثم الإنفاق السنوي الذي لا يتوقف ما دامت المزرعة تعمل.
ويقدر الشاعر تكلفة إنشاء مزرعة عنب من الصفر بنحو 50 إلى 60 ألف شيكل للدونم، بينما يقدر المصروفات التشغيلية السنوية لمزرعته بنحو 20 إلى 21 ألف شيقل، تشمل المياه والري والأسمدة والمبيدات والعمالة وغيرها من احتياجات الإنتاج.
وفي هذا الموسم وحده، أنفق نحو 40 ألف شيقل على تركيب غطاء يسمى"ريشت" فوق الدوالي لحمايتها من أشعة الشمس، وهي استثمار يقول إنه لم يحصل بعد على فرصة كافية لاسترداد كلفته.
وتضم المزرعة أيضا منشآت وتجهيزات أخرى، يقول الشاعر إن كلفتها شملت نحو 40 ألف شيكل للغرفة، و18 ألفا للكونتينر، و30 ألفا للبركس، إلى جانب تكاليف شبكات الري والمياه ومستلزمات الزراعة.
وهذه الأرقام تكشف أن ما هو مهدد بالإزالة ليس محصولا فقط، بل أصل إنتاجي تراكمت قيمته عبر سنوات.
موسم كان ينتظر اكتماله
كان الدونم، بحسب تقدير الشاعر، ينتج عادة بين 2 و3 أطنان من العنب. وباحتساب مساحة المزرعة البالغة 6.5 دونمات، فإن الطاقة الإنتاجية النظرية تتراوح بين 13 و19.5 طنا في الموسم في الظروف المعتادة.
لكن هذا الموسم لم يكن عاديا.
فقد تعرضت الدوالي للإصابة بالبياض الدقيقي، ما رفع كلفة المكافحة الزراعية. يقول الشاعر إنه كان يضطر إلى رش الدوالي كل 10 إلى 12 يوما، ثم أصبح الرش أكثر كثافة هذا الموسم، حتى وصل في بعض الفترات إلى مرة كل أسبوع.
لذلك خفض تقديراته للإنتاج إلى ما بين 2 و2.5 طن للدونم، أي ما يقارب 13 إلى 16.25 طنا للمزرعة كاملة.
وبحسب تقديره، فإن الدونم كان يمكن أن يحقق إيرادا يتراوح بين 15 و20 ألف شيقل، ما يعني إيرادا موسميا إجماليا محتملا للمزرعة يتراوح بين 97.5 و130 ألف شيقل قبل خصم تكاليف الإنتاج.
لكن هذه الأرقام لم تتحول إلى دورة بيع طبيعية. فالمحصول أصبح تحت ضغط الوقت.
عندما يتحول البيع إلى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
لم يكن الشاعر يبيع محصوله وفق شروط السوق التي اعتادها. يقول إن أشخاصا من المنطقة جاؤوا لشراء العنب دعما له، وإن بعضهم دفع نحو 50 شيقلا للكرتونة، ليس باعتبارها صفقة تجارية عادية، بل باعتبارها مساهمة في تخفيف خسارته.
يقول الشاعر: "الشعب الفلسطيني طول عمره مساند لأي كارثة تصير لأي بني آدم" . ويصف ما جرى بأنه نوع من الوقوف إلى جانبه في هذه الظروف.
ويتابع: "لكن حتى هذا الدعم لم يكن كافيا لتصريف كامل المحصول بسرعة؛ إذ يقول إنه لم يتمكن خلال الفترة الأولى من الوصول حتى إلى بيع 100 كرتونة".
وهنا تظهر إحدى الخسائر الاقتصادية الأساسية: حين يجبر المُنتج على بيع محصوله في ظروف غير طبيعية وتحت ضغط الوقت، يفقد جزءا من قدرته على التفاوض على السعر والتسويق واختيار توقيت البيع.
المزرعة لا تنتج العنب فقط
كل موسم عنب يخلق دورة اقتصادية تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند صندوق الفاكهة.
في مزرعة الشاعر، يبدأ العمل قبل القطاف بفترة طويلة، مع الري والمكافحة والتسميد والعناية بالدوالي.
وفي موسم قطف الأوراق، يعمل في المزرعة نحو 5 إلى 6 عمال لمدة تقارب 40 إلى 45 يوما.
ثم يأتي موسم قطاف العنب، حيث يحتاج الشاعر إلى نحو 4 إلى 6 عمال.
وهكذا، فإن المزرعة لا توفر دخلا لأسرة الشاعر فقط، وإنما تولد أيضا فرص عمل موسمية لأسر أخرى.
والخسارة، بالتالي، لا تختصر في قيمة العنب الذي لن يصل إلى السوق؛ بل تمتد إلى أجور العمال، ومشتريات المدخلات الزراعية، وخدمات النقل والتعبئة والتسويق، وإلى النشاط الاقتصادي الذي كان سيتولد عن موسم جديد.
استثمار كان لا يزال يتوسع
المفارقة الأكثر دلالة أن الشاعر لم يكن يتعامل مع المزرعة كمشروع في طريقه إلى التوقف .بل كان لا يزال يوسع استثماره.
قبل نحو ثلاثة أشهر، اشترى 11 شتلة تين من صنف جديد، كما زرع 10 أشجار ليمون ونخلة جديدة.
يوضح الشاعر انه في موسم يفترض أن يكون المزارع فيه منشغلا بتوسيع إنتاجه وتحسين قدرته على المنافسة، وجد نفسه منشغلا بمحاولة إنقاذ استثمار قائم منذ 15 عاما.
ويشير الى أن رأس المال الزراعي لم يكن قد توقف عن النمو؛ بل كان لا يزال يستقبل استثمارات جديدة عندما أصبح مهددا بالإزالة.
لا توجد إعادة تشغيل سهلة
قد يبدو فقدان مزرعة منتجة قابلا للتعويض نظريا: يبني المزارع مزرعة أخرى في مكان آخر ويبدأ من جديد.
لكن الشاعر يقول إن هذا الخيار غير متاح له ببساطة، وأن سبب الإزالة مرتبط بقرب المزرعة من "المستوطنة"، وباعتبار وجودها في هذا الموقع مصدر خطر عليها. ويقول إنه لا يستطيع إعادة إنشاء المزرعة في الموقع نفسه بعد إزالتها.
كما أن نقل الدوالي ليس حلا فوريا؛ إذ يوضح أن الفترة المناسبة لنقل أشجار العنب تكون خلال فترة السكون، تقريبا من بداية تشرين الثاني وحتى آذار، بينما لم يحصل على مهلة تسمح له بذلك.
وهذا يعني اقتصاديا أن خسارة رأس المال قد لا تكون مجرد خسارة مؤقتة يمكن تعويضها بموسم لاحق، بل فقدان قدرة على إعادة تشغيل الأصل الإنتاجي في الموقع نفسه.
ليست المرة الأولى
لا تأتي هذه الخسارة، بحسب الشاعر، من فراغ.قبل نحو خمس سنوات، يقول إنه تعرض لخسارة أخرى عندما هدم خزان مياه في المزرعة تبلغ قيمته نحو 45 ألف شيكل، وكان يحتوي قرابة 350 كوبا من المياه.
ويقول إن تدمير الخزان تسبب بسارة نحو 4 إلى 5 أطنان من العنب في ذلك الموسم.
كانت تلك الخسارة يومها مرتبطة بالمياه، أما اليوم فإن التهديد يطال المزرعة نفسها بما فيها من أشجار ومنشآت واستثمار متراكم.
ماذا يبقى بعد إزالة المزرعة؟
بالنسبة إلى الحسابات الاقتصادية، يمكن تقدير قيمة محصول، أو تكلفة إنشاء مزرعة، أو عدد أيام العمل التي يوفرها المشروع.
لكن هناك قيمة أخرى لا تظهر في دفاتر الحسابات بسهولة: الزمن.
فالدالية التي تحمل محصولا اليوم لم تظهر في ليلة واحدة. احتاجت إلى شتلة، ومياه، ورعاية، ومبيدات، وعمال، ومواسم من الانتظار حتى أصبحت أصلا منتجا.
والمزرعة التي تضم اليوم 750 دالية احتاجت إلى 15 عاما حتى تصل إلى شكلها الحالي.
طارق الشاعر يعرف ذلك جيدا... لذلك، حين يتحدث عن المزرعة، لا يتحدث عن 6.5 دونمات فقط، بل عن سنوات عاشتها أسرته داخل هذه الأرض، وعن والده الذي دعمه، وعن موسم أصبح جزءا من هوية العائلة، وعن عمال اعتادوا العودة إليها عاما بعد عام.
يقول: "نحن صامدون في الأرض، ولن نتنازل عن شبر منها".
ويتابع الشاعر متحسرا: "القصة أبعد من بقاء المزرعة أو إزالتها...إنها قصة عن رأس مال زراعي منتج، وعن سنوات من الاستثمار، وعن دورة إنتاج وعمالة ودخل قد تنقطع دفعة واحدة".
ويشير حين يحتاج بناء أصل زراعي إلى 15 عاما، لكن يمكن أن يتوقف خلال 48 ساعة، فإن الخسارة لا تقاس فقط بعدد صناديق العنب التي لم تصل إلى السوق... انها تقاس أيضا بقيمة السنوات التي صُنعت فيها هذه المزرعة، وبالدخل الذي كان يمكن أن تولده في السنوات المقبلة.
مواضيع ذات صلة
عنب عرابة في عين القناص الاحتلالي
ارتفاع أسعار النفط
أسعار النفط تواصل الصعود وسط مخاوف بشأن مستقبل الملاحة في هرمز
الذهب يتجه لأفضل أداء أسبوعي منذ كانون الثاني
سلطة النقد: ارتفاع نسبة الشمول المالي في فلسطين إلى 73% منتصف عام 2026
الذهب عند أعلى مستوى له في 7 أسابيع
مدينة أريحا الصناعية الزراعية.. نقطة ضوء وسط وضع اقتصادي صعب