عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تموز 2026

معركة الضفة الأخرى ... حين نترك فراغ الرواية لغيرنا

مريم شومان

الجزء الأول

الضفة الفلسطينية ليست بعيدة عن الكاميرات، الصور موجودة، ومقاطع الفيديو تتدفق يوميا من القرى والبلدات والمدن والمخيمات، والهواتف الذكية باتت توثق الاعتداء لحظة وقوعه، وأسماء القرى التي لم تكن معروفة خارج محيطها الفلسطيني تظهر على منصات التواصل كلما وقع اقتحام أو هجوم أو اعتداء للمستوطنين.

المشكلة إذن ليست في غياب الصورة ولا في ندرة المشاهد ولا حتى في نقص الوقائع... المشكلة تبدأ بعد ذلك.

ماذا نفعل بكل هذه الصور؟ إلى أين تصل؟ ومن يراها من خارج دائرتنا؟ وبأي لغة نقدمها؟ وهل ننجح في تحويل آلاف المقاطع والمنشورات والشهادات المتفرقة إلى رواية مفهومة ومتماسكة تستطيع أن تَعبُر من هاتف فلسطيني في قرية قرب نابلس أو شرق رام الله أو قضاء الخليل إلى ناشط في لندن، وطالب في مدريد، وصحفي في باريس، وباحث في بكين، وصانع قرار على بعد آلاف الكيلومترات من المكان؟

هذا السؤال يستحق أن نطرحه اليوم بعيدا عن المجاملات وبعيدا عن جلد الذات: كيف ينبغي ان يصل صوت الضفة إلى العالم بما يتناسب مع حجم ما يحدث فيها؟

ما يحدث في الضفة لم يعد سلسلة من الحوادث المنفصلة التي يمكن قراءتها باعتبارها توترات محلية عابرة، الأرقام الموثقة عن النصف الأول من بداية العام تكشف حجم المشهد؛ آلاف الاعتداءات التي نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون بمعدل يتجاوز 60 اعتداء يوميا، 86 شهيدا ارتقوا في محافظات الضفة بينهم 24 مواطنا استشهدوا برصاص المستوطنين، آلاف الدونمات التي تمت مصادرتها، عشرات آلاف الأشجار تعرضت للتدمير بين حرق واقتلاع وقطع، عشرات البؤر الاستيطانية تمت إقامتها بينها أربع بؤر في مناطق مصنفة "ب".

هذه ليست أرقاما يفترض أن تعيش داخل تقرير ثم تنتهي صلاحيته الإعلامية عند نشره؛ إنها مادة خام لرواية يجب أن تصل إلى العلن؛ خرائط تشرح تمدد البؤر الاستيطانية، رسوم تُظهر كثافة الاعتداءات، قصص لأصحاب الأرض، مقاطع قصيرة تضع الرقم في سياقه، ومواد صحفية متعددة اللغات تشرح ماذا يعني أن يقع أكثر من 60 اعتداء في اليوم الواحد.

والأهم أن وراء كل رقم قصة لا يعرفها العالم بالضرورة.

الهجوم الأخير على قرية تل قرب نابلس، وما تلاه من اعتداءات في قرى المحافظة يعيد السؤال نفسه الذي نطرحه بعد كل جولة: لماذا لا تصبح الضفة رغم ما يحدث فيها حديثا دائما للرأي العام العالمي؟

قد يبدو السؤال غريبا لمن يعيش داخل فلسطين، فنحن نرى الضفة يوميا، نعيش الاقتحامات والاعتداءات، ونتابع مقاطع المستوطنين، ونقرأ أخبار المصادرات والهدم ونعرف أسماء القرى والطرق والحواجز، لكن كثافة حضور الحدث في فضائنا الرقمي لا تعني أنه حاضر بالكثافة نفسها خارجه.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.

قد يحصد مقطع يوثق اعتداء مئات آلاف المشاهدات، لكن من شاهده؟ قد يتصدر حديث النقاش الفلسطيني لساعات، لكن هل وصل إلى غرف الأخبار الدولية؟ قد ينتشر منشور على عشرات الصفحات، لكن هل يستطيع شخص لا يعرف شيئا عن الجغرافيا الفلسطينية أن يفهم منه ماذا حدث، ولماذا حدث، وما علاقته بما وقع قبل شهر أو عام؟

لقد منحت منصات التواصل الفلسطينيين قدرة غير مسبوقة على توثيق تجربتهم بأصواتهم وصورهم وهذا مكسب لا يمكن التقليل منه، المشاهد موجودة بكثافة والشهادات حاضرة وأحيانا تكون الصور الآتية من هاتف مواطن أسرع وأكثر صدقا من وصول المؤسسات الإعلامية إلى المكان، لكن التوثيق وحده لا يصنع رواية والانتشار المحلي لا يعني بالضرورة تأثيرا دوليا، ما ينقصنا في كثير من الأحيان هو الربط بين الاثنين.

نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: "هل نشرنا ما حدث" إلى سؤال أكثر صعوبة: "هل وصل ما نشرناه إلى من نريد التأثير فيه؟"

في الإعلام والسياسة لا توجد مساحة فارغة طويلا، إذا لم تشرح أنت ما حدث سيشرحه غيرك، وإذا تأخرت روايتك ستجد رواية أخرى قد سبقتها إلى الصحفي والمتابع وصانع القرار، وإذا لم تقدم السياق فقد يُقرأ الحدث من خلال السياق الذي يقدمه الطرف الأكثر استعدادا وقدرة على الوصول.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الفراغ الذي نتركه.

إسرائيل لا تتعامل مع الرواية باعتبارها ملحقا بالحدث بل جزءا من إدارة صورتها السياسية والإعلامية، لديها مؤسسات ومتحدثون ومنصات ومحتوى بلغات مختلفة وخبرة طويلة في مخاطبة وسائل الإعلام والجمهور الغربي وتقديم الأحداث ضمن إطار أمني يضع الإسرائيلي غالبا في موقع المهدَّد الذي "يدافع عن نفسه"، بينما يُقدًّم الفلسطيني في كثير من الخطابات من خلال مفردات العنف والخطر والإرهاب.

مواجهة ذلك لا تكون بخطاب أعلى صوتا، ولا بتكرار ما نقوله لأنفسنا، وإنما بقدرة أكبر على إثبات الوقائع ووضعها في سياقها والوصول بها إلى الجمهور قبل أن يستقر في ذهنه تفسير آخر لها، فالرواية الأقوى ليست دائما رواية من يملك الحقيقة، بل قد تكون رواية من يعرف كيف يجعل نسخته من الحدث أسرع وصولا وأسهل فهما وأكثر حضورا واستمرارية.

وهذه حقيقة إعلامية ينبغي التعامل معها بجدية.

لدينا اليوم المادة والمنصات والجمهور، وما ينقصنا هو أن تتحول هذه العناصر المتفرقة إلى منظومة تعرف ماذا تقول، ولمن، وبأي لغة، وفي أي وقت. فالمطلوب ليس أن نتحدث أكثر بل أن يصل صوتنا أبعد لأن الصورة مهما كانت واضحة لا تروي نفسها، وإذا لم نضع نحن سياقها سيفعل ذلك آخرون.