عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تموز 2026

التوجيهي في فلسطين... حين ينتصر الإنسان على الخوف

عميد دكتور/ شادي جبارين

في فلسطين، لا تبدأ قصة التوجيهي يوم الامتحان، ولا تنتهي يوم إعلان النتائج. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، يوم يكتشف الفتى أو الفتاة أن العمر كله قد يُختصر في أشهر قليلة، وأن المستقبل يبدو وكأنه يقف خلف باب لا يفتح إلا برقم سيظهر على شاشة هاتف، أو في قائمة أسماء، أو في صوت مذيع يقرأ النتائج. هناك، يصبح الزمن مختلفا؛ فالأيام لا تُقاس بالساعات، بل بعدد المراجعات، وعدد الليالي التي هزم فيها الأرق النوم، وعدد المرات التي انتصر فيها القلق على الطمأنينة.

ليس الخوف في التوجيهي خوفا من امتحان، بل خوف من المجهول. فالإنسان لا يخشى الورقة البيضاء بقدر ما يخشى ما بعدها؛ يخشى أن تخذله أحلامه، وأن يخذل الذين علقوا عليه آمالهم، وأن يكتشف أن المستقبل لا يرحم المترددين. ولهذا تبدو أيام الامتحانات وكأنها تدريب مبكر على مواجهة الحياة نفسها؛ حيث لا توجد ضمانات، ولا يقين، وإنما اجتهاد وإيمان وانتظار.

ثم يأتي اليوم الأكثر قسوة؛ يوم إعلان النتائج. في تلك الساعات يتوقف الزمن الفلسطيني كله. البيوت تستيقظ باكرا، والهواتف تُشحَن أكثر من مرة، وشبكات الإنترنت تصبح جزءا من نبض القلب. لا أحد يستطيع الادعاء بالهدوء. حتى أولئك الذين يبدون مطمئنين يحملون في داخلهم خوفا صامتا لا يعترفون به. إنها لحظة يختلط فيها الرجاء بالرهبة، ويصبح الانتظار أثقل من أي خبر.

والغريب أن هذا القلق الهائل يتبخر في لحظة واحدة. ما إن تظهر كلمة "ناجح" حتى يحدث شيء يشبه المعجزة النفسية؛ ينسحب الخوف من الذاكرة بسرعة مذهلة، وكأنه لم يسكنها يوما. فجأة، تصبح الليالي الطويلة مجرد حكاية تُروى، ويتحول التعب إلى مادة للضحك، ويكتشف الإنسان أن الألم، مهما طال، لا يقوى على الوقوف أمام لحظة الفرح.

هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إثارة. فالذاكرة ليست أمينة كما نظن؛ إنها لا تحفظ المشاعر بالتساوي، بل تمنح الفرح قدرة استثنائية على إعادة كتابة الماضي. لا يمحو النجاح المعاناة، لكنه يعيد تفسيرها، فتتحول من عبء إلى ثمن، ومن وجع إلى معنى. وكأن الإنسان لا يتذكر ما تألم لأجله، بل ما وصل إليه بعد الألم.

وفي فلسطين تكتسب هذه اللحظة معنى آخر. ففي بلد تتقاطع فيه الحياة اليومية مع الاحتلال، والقلق الشخصي مع القلق الوطني، لا يصبح النجاح مجرد إنجاز فردي، بل إعلانا جماعيا بأن الحياة ما زالت ممكنة. لذلك تبدو احتفالات التوجيهي صاخبة، ليس لأن الفلسطيني يبالغ في الفرح، بل لأنه يعرف قيمة الفرح حين يصبح نادرا. الشعوب التي تعيش في ظروف مستقرة تحتفل بالنجاح لأنه نجاح، أما الفلسطيني فيحتفل لأنه ما زال قادرا على الاحتفال أصلا.

قد يظن بعض المراقبين أن الضجيج الذي يرافق النتائج مجرد انفعال عابر، لكنه في حقيقته لغة اجتماعية كاملة. فالأغاني، والزغاريد، وامتلاء الشوارع، ودموع الأمهات، وابتسامات الآباء، ليست طقوسا فولكلورية فحسب، بل إعلان جماعي بأن هذا المجتمع، رغم كل ما يحيط به، ما زال ينتج الأمل، وما زال يرى في العلم طريقا للحياة لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

لقد أخطأ كثيرون حين تصوروا أن الشعوب المرهقة تفقد قدرتها على الفرح. التجربة الفلسطينية تقول العكس تماما؛ فكلما ازدادت أسباب الحزن، ازدادت الحاجة إلى صناعة الفرح. ليست المسألة إنكارا للواقع، بل مقاومة له. فالفرح هنا ليس هروبا من المأساة، وإنما رفض لأن تكون المأساة هي الحقيقة الوحيدة.

ولهذا فإن التوجيهي في فلسطين ليس امتحانا للطلاب وحدهم، بل امتحان للمجتمع كله. إنه اختبار لقدرة الأسرة على الصبر، ولقدرة المدرسة على منح الأمل، ولقدرة الإنسان الفلسطيني على حماية أحلامه من قسوة الواقع. وكل عام، ينجح الفلسطينيون في هذا الامتحان أكثر مما تنجح فيه درجاتهم؛ لأنهم يثبتون أن الحياة ليست ما يُفرض عليهم، بل ما يختارون أن يصنعوه بأيديهم.

وربما لهذا السبب تبدو فرحة النجاح في فلسطين مختلفة عن أي مكان آخر. إنها ليست احتفالا بنهاية عام دراسي، بل انتصار صغير على الخوف، وعلى اليأس، وعلى فكرة أن الظروف تستطيع أن تصادر المستقبل. إنها إعلان متجدد بأن هذا الشعب لا يكتفي بالبقاء، بل يصر على أن يعيش، وأن يفرح، وأن يبحث عن نافذة للضوء في أكثر الزوايا عتمة.

إن الأمم لا تُعرف فقط بطريقة مواجهتها للحروب، وإنما أيضا بالطريقة التي تحتفل بها بالحياة. وفي كل صيف، حين يخرج آلاف الفلسطينيين إلى الشوارع احتفاءً بأبنائهم، فإنهم يوجهون إلى العالم رسالة لا تحتاج إلى ترجمة: قد نستطيع احتمال الألم طويلا، لكننا لا نتنازل أبدا عن حقنا في الفرح. فالشعب الذي يتقن صناعة الفرح وسط الخوف، هو شعب لا يمكن للهزيمة أن تستقر في روحه.

                                                                                                                

المستشار القانوني لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي