إنّ وقتها.. حان!
تغريدة الصباح- حسن حميد

لعل الأمر يبدو هكذا..حين يقرأ المرء كتاب الماضي في مدوناته الثقيلة ، وكتاب الراهن في مدوناته الحديثة المتعددة، فيجد أن المشتركات بينهما كثيرة، وهي تعزز روح الإيمان بالقيم النبيلة، وتمحو قباحات الظلموت ، أياً كان حجمها، وأياً كانت صورتها.. ونتائجها!
ترى، ألا تشبه قيم الإخلاص، والثقة المطلقة، والإيمان اليقيني، والإنصات العميق للذات التي تجلت عند (بينيلوبي الإغريقية قولاً واثقاً بأن زوجها( أوديسيوس ) عائد لا بد! مع أنّ الزمن كرّ عشر سنوات، كلها ألم وجيع، وانتظار مر، ولم يأتها خبر سار ليقول لها إنه في الطريق إليها، وقد وصل الخوف إلى قلبها وعمه، لأن البحر ابتلع الكثيرين ممن كانوا معه، وهم في طريق عودتهم إلى( إيثاكا.(
ومع أن الأخبار المخيفة والسيئة راحت تنهمر تترى وتترادف .. من أنّ فلاناً قتل، وله صيت ومكانة، وأنّ السفن ضلّت وتاهت وغرقت بمن هم فيها من قادة وأبطال وأصحاب رجاءات بالعودة الظافرة، وأن البحر اضطرب وغضب، وأن الآلهة حكمت على جموع العائدين بالموت لأنهم حين انتصروا في حرب طروادة، جنّ جنونهم فر حاً فنسوا الآلهة التي كانت تنتظر شكرهم ، وابتهالاتهم، وقرابينهم، وبسبب هذا التجاهل أو النسيان أرادت الآلهة عقابهم، بأن يلاقوا مصيراً أليماً في البحر، بسبب غضبة( بوسيدون ) إله البحر اعلى قائدهم ( أوديسيوس ) فغاب في البحر، وتاه، وتعرض للغوايات خلال عشر سنوات، كانت كلها مغامرات، وعذابات، ومواجع أليمة، في المقابل كانت زوجة(اوديسيوس)،( بينيلوبي ) تنتظر عودته، وقد تحلت بالصبر، والقناعة التامة بأنه سيعود حتى لو انقلب البحر عليه بطناً لظهر، مع أن الجميع ظنوا أنه انتهى ومات، لكنه في الواقع كان يخرج من مغامرة ليدخل في مغامرة أخرى، وينتهي من توهان ليدخل في توهان جديد، ولكن قناعته بالعودة إلى( إيثاكا) كانت مطلقة!
بلى، حال( اوديسيوس)، وحال( بينيلوبي)،وكلما قرأت سيرتهما، ووقفت عندها، أرى فيها حال شعبنا الفلسطيني، الذي عرف قوة اسبارطة الجديدة( اسرائيل)وصلفها، التي لا تمجد سوى القوة؛ ولا تتبنى سوى ثقافة الإخافة والغطرسة، ولا ترى في قتل الفلسطينيين، وحرمانهم من حق الحياة في أراضيهم، وتهجيرهم، وسجنهم، إلا بطولة، والفعل هذا هو فعل ناقص، بل هو أقبح الأفعال، وثقافة الاسرائيليين هذه هي أحط الثقافات، وأكثرها عماء، وهم يعلمون هذا ويعرفونه، والعالم كله يعلم هذا ويعرفه.
أجل، قلت إن الحالين متشابهتان، الإغريقية القديمة، والفلسطينية الحديثة، فالقوة الغربية المناصرة والحامية للكيانية الإسرائيلية، تمثل ) بوسيدون (إله البحر الذي حكم على( أوديسيوس ) بأن يتوه، ويضيع، ويتعرض للموت في البحر، وألا يعود إلى بلاده( إيثاكا)، ولم يتفطن( بوسيدون) لانتظار زوجته( بينيلوبي ) وابنها لعودة الأب صاحب الأرض، تماما مثلما لم يتفطن الغرب اليوم إلى أن أكثر من ثمانية ملايين نسمة من أبناء الشعب الفلسطيني يعيشون في متاهات المنافي بعيداً عن قراهم ومدنهم وبلادهم التي عمروها بكل ما هو جميل، وبكل ما هو نايف في الثقافة والإبداع، وبكل ما هو نبيل من السلوك الإنساني.
(أوديسيوس)، ورغم التوهان في البحر، والمغامرات ، والأفخاخ فيه، كان حاضراً وبادياً، رغم الغياب، فما من سؤال في( إيثاكا) يثير الشجون والأحزان سوى سؤال: متى يعود( أوديسيوس)؟ والحال الفلسطينية، ومنذ عام ١٩٤٨ ما زال أهلها في القدس، وعكا، ويافا، وحيفا، وشفا عمرو، ونابلس، وأريحا وأم الرشراش، يسألون السؤال الأهم والجوهري: متى يعود أهلنا من المنافي!
وكل هؤلاء الفلسطينيين، في القرى والمدن والبلاد الفلسطينية، وعددهم حوالي ثمانية ملايين نسمة أيضاً، يمثلون( بينيلوبي ) في قناعاتهم، بأن أهلهم في المنافي والشتات.. عائدون، رغم غضب بلدان الغرب، ورغم ما يتعرضون إليه من مغامرات، وإغراءات ، ومحاولات مكرورة هدفها أن يتعلموا النسيان، ولم يتفطن حكام الغرب إلى أن خبرا طويلا. .جاء في الأسطورة الإغريقية يتعلق بنبات( اللوتس (الذي أكله بعض بحارة( ادويسيوس)الذين رضخوا للضياع والتوهان والجوع، فنسوا الأرض والتاريخ واللغة والعادات والتقاليد، اي نسوا( إيثاكا)، ولكن معظمهم رفضوا أكل نبات اللوتس ، فظلوا حريصين راعين لذواكرهم المتقدة التي تعرف تفاصيل التفاصيل عن الأرض والتاريخ واللغة والعادات والتقاليد، أليست هذه الحال هي حال الفلسطينيين المنادين بالعودة صباح مساء، وأليس هذا هو ما يغيظ حكام الغرب الذين يظنون بأنهم يقومون بتمثيل دور آلهة الإغريق، فيوزعون رضاهم وسخطهم كيفما يريدون، وكيفما يشاؤون ناسين أن الفلسطينيين، في داخل الوطن الفلسطيني، وفي المنافي يعرفون هذا جيدا.. بل يعرفون ما هو أكثر، ويسعون إليه أكثر، وفي كل لحظة من أعمارهم، وهو العودة إلى بلادهم، وقراهم، ومدنهم التي عمروها وسموها وبنوها وعشقوها، ونادوا بعلو الصوت، وينادون: إنّ وقت العودة.. حان!
hasanhamid5656@gmail.com