عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 تموز 2026

عندما يُنصف التاريخ.. سيذكر محمود عباس

رامي جرار

في خضم الأحداث المتسارعة، والانفعالات التي تفرضها الحروب والأزمات، كثيرًا ما يصعب على الشعوب أن تُقيّم قادتها بموضوعية. فالتاريخ وحده هو الذي يمتلك القدرة على النظر إلى المشهد كاملاً، بعيدًا عن ضجيج اللحظة وضغط العاطفة.

وأعتقد أن التاريخ سيقف يومًا ليقول إن الشعب الفلسطيني كان محظوظًا بأن الرئيس محمود عباس تولّى قيادة المرحلة الأكثر تعقيدًا وخطورة في تاريخ القضية الفلسطينية.

لقد تسلّم زمام المسؤولية في مرحلة امتلأت بالتحولات الإقليمية والدولية، وسط اختلال كبير في موازين القوى، وتصاعد غير مسبوق في التحديات. ومع ذلك، اختار نهجًا مختلفًا يقوم على تغليب الحكمة على ردود الفعل، والعقل على الانفعال، والإدارة السياسية على المغامرات غير المحسوبة.

فقد تبنّى استراتيجية واضحة تقوم على رفض العمل العسكري باعتباره ليس الخيار الذي يخدم الفلسطينيين في ظل موازين القوى القائمة، واختار أن يخوض معركة السياسة والدبلوماسية في المحافل الدولية، مؤمنًا بأن تثبيت الحقوق الفلسطينية يحتاج إلى نفس طويل وإلى تراكم الإنجازات القانونية والسياسية، وليس فقط إلى المواجهة العسكرية.

كما حافظ على التنسيق الأمني بوصفه وسيلة لمنع الانهيار الأمني وحماية المجتمع الفلسطيني من الفوضى، وهو قرار قد يختلف حوله كثيرون، لكنه كان يرى فيه ضرورة للحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنع انزلاق الضفة الغربية إلى سيناريوهات أكثر خطورة.

وفي الوقت نفسه، واصل السعي لنيل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، واستثمر أدوات القانون الدولي والمؤسسات الأممية لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة على الساحة الدولية، في وقت كانت فيه قضايا أخرى تزاحمها على اهتمام العالم.

ولعل أكبر شاهد على حكمة هذا النهج هو ما شهدته الضفة الغربية خلال سنوات حكمه، مقارنة بما تعرض له قطاع غزة من حروب مدمرة في أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، ثم الحرب التي اندلعت في عام 2023 وما تلاها، وما خلّفته من دمار هائل وخسائر بشرية ومادية غير مسبوقة. لقد جنّب الضفة الغربية، إلى حد كبير، الدخول في مواجهات عسكرية واسعة النطاق كان من الممكن أن تؤدي إلى كوارث مشابهة، وتحافظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من استمرارية الحياة والمؤسسات.

قد يختلف الناس في تقييم السياسات، وقد تتباين المواقف السياسية، وهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات. لكن التقييم الحقيقي لا يكون تحت تأثير اللحظة، بل عندما تهدأ العواصف ويبدأ المؤرخون بقراءة الوقائع والنتائج بعيدًا عن الاصطفافات والانفعالات.

وأنا على يقين بأن السنوات القادمة ستدفع كثيرين إلى إعادة قراءة هذه المرحلة بعين مختلفة، وسيكتشف الفلسطينيون أن الحكمة قد لا تكون دائمًا الأكثر شعبية، لكنها كثيرًا ما تكون الأكثر حفاظًا على الأوطان والناس.

وعندما يكتب التاريخ فصول هذه المرحلة، سيجد أن محمود عباس لم يكن رئيسًا يبحث عن تسجيل المواقف، بل قائدًا اختار أن يتحمل كلفة القرارات الصعبة إيمانًا منه بأن حماية الإنسان الفلسطيني والحفاظ على ما تبقى من مقومات المشروع الوطني مسؤولية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى.

ولعل الزمن وحده هو الكفيل بأن يكشف أن الفلسطينيين كانوا محظوظين بأن يقودهم في هذه المرحلة رئيس آمن بأن الحكمة قد تكون، أحيانًا، أعظم أشكال الشجاعة.