عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 تموز 2026

السؤال: كيف نبني منظومة تعليمية ناجحة؟

مؤيد قاسم الديك*

ثمة حديث متداول عن أفكار واتجاهات لإصلاح التعليم، وتطوير طرائقه، في بلادنا المسروقة، وربط ذلك بما يسمى رقمنة التعليم، في محاولة للاستغناء عن الكتاب الورقي.

إن الاعتقاد بأن منظومة التعليم تنصلح بهكذا أفكار اعتقاد يجانب الصواب الى حد ما، وحديث ناقص، ومنفصل عن الواقع. وهو أقرب إلى التمنيات، وإن تحققت ستكون وبالا على الجيل.

لست ضد تطوير مناهج التعليم، بل أكثرت الحديث عن وجوب ذلك، وكتبت كثيرًا في بناء هوية أولادنا الثقافية والتعليمية، ودعوت إلى إعادة النظر في مناهج التعليم، وإخضاع العملية التربوية برمتها للنقد والإصلاح، والذهاب نحو الأفضل في ذلك.

بعض القائمين على شؤون التعليم يضربون -عادة- أمثلة على نجاح بلاد كفنلندا ـ مثلاً- في نهضتها التعليمية، فلماذا لا نحذو حذوها؟!

نعم، نجحت فنلندا في ذلك، ولكن نجاحها كان برؤيتها التعليمية الأشمل، فهي نظرت إلى التعليم على أنه مشروع وطني، وهذا ما ترتب عليه الكثير في المعنى والمبنى، لأنه أصبح مشروعًا مقدسًا، فهل نحن جاهزون لرفع مثل هذا الشعار؟

رفعت فنلندا شعارها هذا، بعد أن وضعت خططًا إصلاحية طويلة الأمد، حتى وصلت لأكثر من أربعين سنة، لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم، فأقدمت على خطوات تأسيس هذا الإصلاح، فوحدت نظام التعليم، وجعلته مجاناً حتى في الطعام والمواصلات للطلاب، واستثمرت بالمعلم أكبر استثمار، لدرجة أن الحصول على الماجستير شرط لحمل رسالة التعليم، إلى جانب منحه مكانة اجتماعية عالية، وثقة كبيرة في طريقته في تعليم الطلاب. بمثل هذا الإطار التأسيسي كانت المرحلة الانتقالية التي مهدت لإصلاح التعليم. ثم انتقلت إلى مرحلة الجودة والابتكار، فعززت التفكير النقدي والابتعاد عن التلقين، وإيلاء تقييم المعلم أهمية أكثر من الامتحانات الموحدة -وهذا ما كان يقوم عليه فكر السكاكيني ونهضته التعليمية بالمناسبةـ ومع ذلك لم تجرؤ فنلندا على استبعاد الكتاب الورقي، بل جعلته ضمن مشروع أوسع، جاء بعد  تراكم الخبرات، وتوفير كل ما يجب أن يتوفر، وهو مشروع رقمنة التعليم، الذي سبقه ترسيخ مكانة المعلم وبناء أسس نهضة التعليم.

هذا يثبت أن سر نجاح فنلندا لم يأت من عملية رقمنة أو استبدال الجهاز اللوحي بالكتاب الورقي، بل جاء من خلال منهج مدروس وإصلاح مستمر لمنظومة متكاملة أساسها معلم عالي الكفاءة، تم اختيار الأفضل من الطلاب لحمل هذا اللقب.

من هنا كان مشروع التعليم مشروعًا وطنيًا نهضويًّا في البلاد، أما التكنولوجيا فكانت وسيلة ورافدًا للمعلم والطالب.

إن التفكير أو محاولة القفز عن هذه المسوغات انتحار يدفع الوطن ثمنه مستقبلًا، فنجاح أي تجربة يبدأ بالاستثمار في المعلم والطالب ثم المنهاج، وتأتي بعد ذلك التكنولوجيا، وهذا ما فعلته فنلندا فكانت الأفضل.

ما تقدم يقودنا إلى ما دعوت إليه كثيرًا، بضرورة وجود معهد وطني تربوي، فهو الأساس الذي تنبثق عنه الرؤى الاستراتيجية لإصلاح منظومة التعليم، وإعادة صياغة المشروع التربوي الوطني.

----------

* صحافي وأكاديمي- رام الله