عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 27 حزيران 2026

الشعر في زمن الحرب.. بين شهادة الخراب ومقاومة العدم

حوار: مهيب البرغوثي

يعد الشاعر شوقي بزيع، ابن الجنوب اللبناني، أحد أبرز الأصوات الشعرية في لبنان والعالم العربي. وفي حوار أجرته معه "الحياة الجديدة"، يتناول بزيع العلاقة المعقدة بين الشعر وخراب المدن الذي تخلفه الحروب، مؤكدا أن اللغة الشعرية لا تستطيع أن تكون مراسلة مباشرة للأحداث بقدر ما هي محاولة لاستعادة المعنى الإنساني وسط الركام. فالشعر، في نظره، لا يوثق الدمار فحسب، بل يسعى إلى إنقاذ الذاكرة من النسيان وإعادة بناء ما تهدمه الحروب في الوجدان الجمعي. وتنبع هذه الرؤية من تجربة شاعر ارتبط وجدانه بالجنوب اللبناني وبالأمكنة المهددة بالفقد، وهو ما يتجلى في كثير من أعماله الشعرية والنثرية.

 

* هل تستطيع اللغة الشعرية أن تواكب حجم الدمار الذي تخلفه الحروب؟

لا أعتقد أن "المواكبة" هي المفردة المناسبة للحديث عن العلاقة بين اللغة الشعرية والحرب؛ لأنها توحي بأن الشاعر نوع من المراسل الحربي الذي يتقدم مع الجيوش لينقل الأحداث لحظة بلحظة، أو أنه مصور يوثق تفاصيلها بعدسته.

فاللغة الشعرية تتأخر عادة عن لحظة الحرب، لأنها تنبع من تفاعل عميق بين الحدث والشاعر، وتحتاج إلى زمن من الاختمار والنضج كي تتحول التجربة إلى لغة. وهي لا تنقل الدمار الخارجي فحسب، فذلك متاح في الصور ووسائل الإعلام ووكالات الأنباء، بل تنشغل بالدمار الداخلي الذي تخلفه الحروب في النفوس والعلاقات الإنسانية، ذلك الجرح العميق الذي يصعب اندماله.

 

* كيف غيرت الحروب الحديثة مفهوم البطولة في الشعر؟

أعتقد أن الحروب الحديثة لم تغير مفهوم البطولة في الشعر فحسب، بل غيرته أولا في الواقع نفسه. فالحروب القديمة كانت تقدم الشجاعة في إطارها الجسدي المباشر، وتعتمد على المواجهة الفردية والمبارزات، حيث كان للجسد دور أساسي في صناعة البطولة.

أما اليوم، فقد أصبحت الحروب تقنية في المقام الأول، تعتمد على التفوق العلمي والتكنولوجي. وقد لا يحتاج "البطل" المعاصر في دولة متقدمة إلى أكثر من الضغط على أزرار تطلق الطائرات والصواريخ من أماكن بعيدة. إنها، إذا صح التعبير، بطولة العقل لا بطولة العضلات

ولعل العمل الأدبي الذي عبر مبكرا عن هذا الانتقال هو رواية دون كيخوته، حيث يبدو البطل شخصية كاريكاتورية تحاول مواجهة زمن جديد بأدوات قديمة، كمن يواجه المدافع بالسيف.

 

* هل الحداثة الشعرية نتيجة تطور جمالي أم استجابة لأزمات الإنسان المعاصر؟

لا يمكن الفصل بين التطور الجمالي وتطور الذائقة الإنسانية المرتبطة بتحولات العصر وقيمه وشبكة العلاقات الممتدة من الاقتصاد والأخلاق والاجتماع إلى السياسة والعلم.

فالحداثة، التي يرى كثيرون أنها بدأت في القرن التاسع عشر مع الشاعر شارل بودلير، جاءت ثمرة انتقال من مفهوم للشعر مرتبط بالموضوعية والجماعة إلى مفهوم آخر يمنح الذات الإنسانية مساحة أوسع للتعبير عن هواجسها الفردية.

وقد مهدت الرومانسية لهذا التحول عبر شعراء إنجلترا وألمانيا الذين احتجوا على المفهوم الكلاسيكي للشعر، وسعوا إلى تحريره من الوظيفة الجماعية المباشرة. ثم جاء إدغار آلان بو وشارل بودلير وآرثر رامبو ليؤسسوا ملامح الحداثة الشعرية. كما أسهمت فيها تحولات كبرى مثل الماركسية، والفرويدية، والمدارس الفنية كالتجريدية والتكعيبية والسريالية.

 

* ما الفرق بين كتابة الحرب بوصفها حدثا تاريخيا وكتابتها بوصفها تجربة إنسانية؟

قد تكون الرواية الفن الأكثر قدرة على التعبير عن الحرب بوصفها حدثا تاريخيا، لما تتيحه من مساحة للتفاصيل واليوميات والسرديات المتشعبة.

أما الشعر، فيتجه غالبا إلى التجربة الإنسانية الداخلية. فهو يمتلك أدوات الكثافة والاختزال والعمق والاستبطان، ما يمكنه من التعبير عن الأثر النفسي والوجداني للحرب بصورة أكثر نفاذا إلى جوهر التجربة.

 

* هل يصبح الشعر أكثر صدقا أم أكثر عجزا في زمن الحرب؟

يمكن أن يكون الأمران معا. فالشعر معني بأن يكون تعبيرا صادقا عن التحولات والأهوال التي يكتشفها الإنسان تدريجيا، لكنه قد يعجز أحيانا عن ملامسة حجم الكارثة.

فزمن الشعر يختلف عن زمن الحدث، وإيقاعه مختلف أيضا. وقد يشعر الشاعر بأن اللغة أقل من الواقع أو أعلى منه، وأنها عاجزة عن استيعاب ما يبدو غير متوقع وغير قابل للتصديق. عندها قد يقع في صمت كامل يشبه الصدمة.

 

* كيف أثرت الحروب العالمية على ظهور تيارات الحداثة الشعرية؟

بالتأكيد أسهمت الحروب العالمية في بلورة تيارات الحداثة وتوسيع آفاقها، وإن لم تكن مسؤولة عن نشأتها الأولى.

لقد دفعت هذه الحروب الحياة الإنسانية إلى التشظي، وزعزعت منظومات القيم السائدة، الأمر الذي انعكس على الشعر والرواية والموسيقى والفنون التشكيلية. ومع اهتزاز العلاقة التقليدية بين السبب والنتيجة، ظهرت أشكال تعبيرية جديدة عززتها المدارس التكعيبية والسريالية وغيرها من الاتجاهات الحداثية.

 

* هل تخلق الحرب لغة جديدة أم تدمر اللغة القديمة؟

لا أعتقد أن خلق لغة جديدة أو تدمير لغة سابقة مسألة ظرفية ترتبط بحدث عابر، حتى لو كان بحجم الحرب.

فتغير اللغة يحتاج إلى تحولات عميقة وبطيئة في الحساسية الإنسانية وفي العلاقة بالعالم والوجود. صحيح أن الحروب قد تؤدي إلى تشظي الواقع، وأن هذا التشظي قد ينعكس على اللغة، كما حدث بعد الحربين العالميتين، لكن ينبغي التمييز بين آثار الصدمة العابرة والتحولات البنيوية العميقة التي تصيب اللغة ذاتها.

 

* هل ما زال الشعر قادرا على إنتاج معنى وسط عالم تحكمه صور الحرب المباشرة ووسائل الإعلام؟

الشعر هو الأقدر على إنتاج المعنى بهذا المعنى العميق للكلمة؛ لأنه يبحث دائما عن الجوهري والدائم، ويتجاوز اللحظة العابرة والمشهد السطحي.

فالشعر، في جوهره، هو ما يبقى من اللغة بعد تنقيتها من الزوائد. وهو نقيض منطق الإعلام الذي يعتمد على المباشرة والبريق وسرعة التأثير. لذلك يبقى الشعر قادرا على النفاذ إلى ما وراء الصور، وإلى كشف المعاني التي تعجز الصورة وحدها عن قولها.

 

* هل يمكن للشعر أن يكون فعل مقاومة، أم أنه مجرد شهادة على الخراب؟

بالتأكيد يستطيع الشعر أن يكون الأمرين معا.

فهو شهادة على الخراب، لا بمعناه المادي فقط، بل بمعنى الخراب الداخلي الذي يصيب الإنسان والعلاقات الإنسانية. وهو أيضا فعل مقاومة، لكن ليس بالمعنى الدعائي أو الخطابي.

فالشاعر لا يطلب منه أن يستعيد في اللغة أصوات القذائف وأعداد القتلى فحسب، بل أن يقاوم بأداته الخاصة: اللغة. أي أن يقدم رؤية مختلفة للعالم، وأن يحافظ على المعنى والإنسانية في مواجهة العنف والعدمية.

 

* ما حدود الجمال في قصيدة تتناول المأساة والقتل؟

هذا سؤال جوهري، لأنه يطرح إشكالية العلاقة بين الجمال والمأساة.

فبعد هزيمة حزيران 1967، طغت النبرة الفجائعية على كثير من النصوص الشعرية العربية. لكن القصيدة ليست مطالبة بأن تشبه موضوعها دائما؛ فقد تتناول الحزن بلغة جميلة، أو تبحث عن بصيص فرح وسط العتمة.

وهنا تكمن المفارقة: حزن المعنى قد يقابله فرح التعبير. فالقصيدة العظيمة لا تلغي المأساة، لكنها تمنحها شكلا جماليا يثير الدهشة ويكشف عمق التجربة الإنسانية.

ولعل من أجمل الأمثلة على ذلك قصيدة مرثية إغناسيو سانشيث ميخياس للشاعر فيديريكو غارثيا لوركا؛ إذ نشعر بالحزن على المصارع الراحل، لكننا في الوقت نفسه نواجه احتفالا مدهشا باللغة والصور الشعرية، يجعل الجمال نفسه شكلا من أشكال مقاومة الموت.