أعشاب وأزهار برية عند الحاجز العسكري في صباح الخامس من حزيران
ابراهيم ابو هشهش

وصلت الحاجز عند التاسعة والنصف. اليوم هو الخامس من حزيران. وجدت أمامي حوالي عشرين سيارة، ومن إيقاع الحركة والتفتيش قدرت أنني سأقف على الأقل ما يقارب الساعة أو أقل بدقائق. صباح هادئ وحرارة معتدلة. بدل أن استغرق في التفكير في ذكرى الهزيمة التي كنا نظن أنها كبوة عابرة سرعان ما سننهض منها، وجدتني منصرفا إلى تأمل سهل البالوع إلى يميني. هذا السهل من أخصب سهول فلسطين، كان يخصص عادة للزراعة الصيفية، هنا تتجمع المياه في الشتاء فتبلعها الأرض وتسير في مساراتها الجوفية لتنبع من منطقة الديوك في أريحا. شعرت بامتنان لهذا السهل الذي يروي نخلاتي هناك. صار هذا السهل مهجورا الآن تغطيه الأعشاب البرية التي تنمو في ارتفاع قامة ولد في العاشرة.
على حافة الشارع نمت شجيرات الطيون خضراء يانعة، وستزهر في الخريف لتعبق برائحتها العطرية الثقيلة المدوخة، وبينها انتشر الخرفيش اليابس الذي تحول إلى اللون البني. في طفولتي ارتبط الخرفيش برفوف لا حصر لها من الحسون الذي كان يجد غذاءه في بذور الخرفيش اليابس، البذور الصغيرة السوداء التي نسميها قنبز. منذ سنوات طويلة جدا لم أر حسونا واحدا في بلادنا. في السهل ارتفع الشوفان البري (السبيلة) وتموج مع هبات النسيم الطفيفة. أما في الأرض اليابسة على حافة الشارع فاشرأبت أجيال متتالية من زهرة الهندباء العنيدة بلونها الأصفر، أزهار يبست وتحولت إلى كتل قطنية كروية ناصعة استعدادا لانفصال البذور وطيرانها في مظلات حريرية بيضاء، وأزهار متفتحة، وأزهار في أكمامها. منذ كانون الثاني حتى الصيف لا تتوقف هذه الزهرة عن الحياة في كل مكان، وخاصة في الأرض الصلبة، وحتى في الإسمنت وحواف الطرق المسفلتة. رأيت زهرة منها تدلت من جدار المرأب وأزهرت. يكفيها ذرة واحدة من التراب لتحيا وتزهر في بهجة، كأنها تناوب عن كل أزهار الربيع التي صوحت.
إلى اليسار تقع مستوطنة بيت إيل، وإلى الشرق منها بلدة بيتين. توزع انتباهي بين حركة السيارات أمامي ومشهد طائر مينا دخيل يعالج شيئا ليأكله على يسار الشارع. انبعث من يميني تغريد حاد جميل سريع، نظرت فإذا طائر صغير جدا لعله الفسفسة، يتأرجح على عود أخضر من الشومر البري ويغرد. امتلأ صباح الخامس من حزيران بتغريد طائر في حجم نحلة كبيرة، لكن فرقة موسيقية كاملة لا تحسن أن تأتي بمثل ألحانه. ابتسمت لنفسي من المفارقة الرمزية: طائر المينا الدخيل جهة المستوطنة حيث تصارع يعقوب في الليل مع الرب الذي باركه وسماه إسرائيل، والطائر الطنان المغرد الذي يعيش هنا منذ آلاف السنين إلى جهة المدينة، والجنود الذين يفتشون السائقين والسيارات يقفون في الأمام. شعرت كأنني أشاهد مسرحية تستعيد على نحو كاريكاتوري ولكن ماساوي مشاهد متخيلة من سفر يشوع:
فقال الرب ليشوع: لا تخف ولا ترتعب. خذ معك جميع رجال الحرب، وقم اصعد إلى عاي. انظر. قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه
"2 فتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها. غير أن غنيمتها وبهائمها تنهبونها لنفوسكم"
الجنود يقفون بين بيت إيل وعاي كما أمرهم الرب قبل ثلاثة آلاف عام. عاي التي هي الآن بلدة دير دبوان الجميلة. تقدمت مقدار سيارة واحدة، وخطر لي أن كل شيء تغير ظاهريا ما عدا الأرض والعصافير والأعشاب والأزهار البرية. واصلت التأمل في حافة سهل البالوع عن يميني، أعشاب يابسة تزحف بينها شجيرات القبار بثمارها التي تشبه الجوز. في طفولتي كنت أشاهدها في الحقول المحصودة، تتمدد خضراء بين الهشيم اليابس الأصفر.كنا نسميها مديدة ونحذر من أشواكها الحادة. على جانب الشارع أجمات متفرقة من أشواك القوص بأزهارها الزعفرانية، ربما سميت بالزعفران البري بسبب لون أزهارها. إذا قطعت أحد أغصانها ستسيل منه نقاط بلون الحناء كنا نكتب بها على الصخور أو ننقش بها أيدينا. زهرتها تزدهر منذ أوائل أيار حتى منتصف حزيران تقريبا. أحب النباتات التي تزهر في غير فصل الربيع: في الخريف أحب زهرة الودع (زعفران الخريف)، ومنذ كانون حتى منتصف الصيف تفتنني زهرة الهندباء.
لأول مرة أنتبه لوجود العلندى بهذه الكثافة هنا. وجدتني أنظر تلقائيا إلى باطن أصبعي الوسطى التي حزها عود علندى أخضر أردت نزعه فغاص عميقا في لحم إصبعي تاركا جرحا بليغا ما يزال أثره باديا بوضوح بعد كل هذه السنين الكثيرة. التبس علي الأمر: هل العلندى هو نفسه ما نطلق عليه شعبيا اسم القضاب؟ تحركت السيارة التي أمامي فتقدمت مقدار ثلاثة أمتار. كنت متشوقا لاجتياز الحاجز لأرى إن كانت قد تبقت بعض أزهار الخطمي، لكن يبدو أن ذلك سيستغرق خمسا وعشرين دقيقة أخرى على الأقل. الجنديان يشيران إلى سيارة فتتقدم ببط وتقف إلى جانبهما، يفحص أحدهما بطاقة السائق بينما يفتش الأخر حقيبة السيارة. يستغرق هذا بضع دقائق ثم يسمحان له بالمرور. غالبا ما ينشغل الجنديان بالحديث مع جندي أخر يجلس وراء المكعبات الإسمنتية في نقطة الحراسة ، قبل أن يرفع أحدهما يده مشير للسائق التالي بحركة غير حاسمة، فيتردد السائق في الحركة حتى ترتفع اليد ثانية بإيعاز واضح بالتقدم.
أخيرا كنت أقف بسيارتي على رأس الدور، أشار لي الجندي فتقدمت، أوقفت السيارة وأطفأت المحرك. طلب أحدهما الهوية وأمرني بفتح حقيبة السيارة. تحدثا معي بالعبرية فلم أفهم شيئا سوى ما يعني صباح الخير وكيف حالك، حاولا الشرح فلم يبد علي أنني فهمت، فعلق كل منهما بندقيته على كتفه وسحب بسبابتيه طرفي فمه، فعرفت أنهما يطلبان مني الابتسام. تقلصت عضلتا جانبي وجهي بما يشبه الابتسامة، لكن نظرتي بقيت جامدة كما كانت ، فبدا عليهما السرور وقالا أشياء لم أفهمها، ولكنني عرفت أنها استحسنا ذلك. في كل مرة في مثل هذا الموقف أتذكر كيف تعلمت العبرية على يد العلامة الدكتور ربحي كمال، وبعد فصل واحد صرت قادرا ببعض الصعوبة على قراءة الصحف العبرية، ثم بعد ذلك امحت هذه اللغة من دماغي، وأخفقت كل محاولاتي لتعلمها ثانية، وكأن هناك شيئا داخليا يرفضها. ناولني أحد الجنديين هويتي بعد أن فحص رقمها على هاتفه الجوال قائلا صاع، فانطلقت.
حرصت على النظر إلى يسار الطريق حيث تزدهر أزهار الخطمي عادة على حافتي مجرى الماء الجاف، فلم أر منها إلا نبتة واحدة فقط يبدو أنها نبتت متأخرة، فقد كانت نبتة غضة تحمل خمس أزهار نهدية فاتنة موشحة بلون بنفسجي تنحني نحو الأسفل. وعدا ذلك لم يكن سوى نباتات كثيرة من شوكة الجمل القنفذية بلونها الفضي الأزرق الساحر، طالما فتتني هذه النبتة التي تزدهر في مثل هذا الأوان، وفي كل مكان انتشر الشوفان البري وشعير إبليس الجاف، وأشواك القوص المزهرة في أواخر أيامها، وبقايا نبتة الحلبلوب الجافة متشبثة بسفح الطريق، بينما ارتفعت مئات الأعلام على صوار قصيرة، كانت ترفرف بفتور في النسيم الخفيف الذي يهب في صبيحة هذا الخامس من حزيران.
تجاوزت الإشارة الضوئية عند بوابة المستوطنة، واندمجت بالطريق السريع المتجه إلى الجنوب. إلى يميني برقة، وإلى يساري دير دبوان. تخيلت الكمين الذي أمر الرب يشوع بأن ينصبه لملك عاي بين بيت إيل وعاي:
"21 ولما رأى يشوع وجميع إسرائيل أن الكمين قد أخذ المدينة، وأن دخان المدينة قد صعد، انثنوا وضربوا رجال عاي"
"22 وهؤلاء خرجوا من المدينة للقائهم، فكانوا في وسط إسرائيل، هؤلاء من هنا وأولئك من هناك. وضربوهم حتى لم يبق منهم شارد ولا منفلت"
"23 وأما ملك عاي فأمسكوه حيا وتقدموا به إلى يشوع"
"24 وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعا بحد السيف حتى فنوا، أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد السيف"
"25 فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا، جميع أهل عاي"
"26 ويشوع لم يرد يده التي مدها بالمزراق حتى حرم جميع سكان عاي"
"27 لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع"
"28 وأحرق يشوع عاي وجعلها تلا أبديا خرابا إلى هذا اليوم"
"29 وملك عاي علقه على الخشبة إلى وقت المساء. وعند غروب الشمس أمر يشوع فأنزلوا جثته عن الخشبة وطرحوها عند مدخل باب المدينة، وأقاموا عليها رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم"
"30 حينئذ بنى يشوع مذبحا للرب إله إسرائيل في جبل عيبال"
وصلت إلى مفترق الطريق فانعطفت إلى اليسار متجها إلى أريحا. كنت أشعر بسكينة عجيبة على الرغم من أنني لم أنس لحظة واحدة أن هذا اليوم هو الخامس من حزيران، وكيف أنسى ومئات كثيرة من الأعلام ترفرف على جانبي الطريق. سرت متمهلا في طريق ممتدة خالية إلا من بعض سيارات المستوطنين المسرعة. في مكان قريب من السفح شجيرات برية مختلفة بينها شجرة سنديان اجتثت من أصلها بمنشار قبل أعوام، عندما حاذيتها لمحت غصنين يانعين يشرئبان مقدار متر من أرومتها الملتصقة بالأرض، فابتسمت، ولمست بسبابتي مفتاح مسجلة السيارة فانبعثت موسيقى هايدن في كونشيرتو الفلوت.
مواضيع ذات صلة
الشعر في زمن الحرب.. بين شهادة الخراب ومقاومة العدم
أعشاب وأزهار برية عند الحاجز العسكري في صباح الخامس من حزيران
حين يصبح المنفى سؤالا للهوية
ندوة في متحف محمود درويش بعنوان "الأشياء، الذاكرة والهوية في الثقافة الفلسطينية والأدب"
حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم
أسئلة مطروحة على قارعة الوجع .. كلمة احتفائية
الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب