عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 حزيران 2026

"أمهات التوجيهي".. الامتحان الذي لا يقدمنه

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في صباح الثانوية العامة، لا يستيقظ الطلبة وحدهم على وقع القلق، فثمة أمهات ينهضن قبل الفجر بوقت طويل، كأن النوم قرر أن يهجر بيوتهن مؤقتا، يتفقدن الساعات أكثر مما يتفقدن وجوههن في المرآة، ويعدن ترتيب أشياء لا تحتاج إلى ترتيب، فقط لأن القلق يبحث دائما عن عمل يشغله إلى جانب دعاء لا ينقطع.

في هذا الصباح، لا تكون الأم مجرد أم لطالب في الثانوية العامة، بل تصبح ذاكرة كاملة تمشي على قدمين، تتذكر أول يوم حملت فيه طفلها إلى المدرسة، أول حقيبة اشترتها له، أول حرف كتبه بخط متعثر، ثم تنظر إليه فجأة وقد صار شابا يحمل بطاقة جلوس ويمضي نحو امتحان تعتبره الأم بوابة المستقبل.

تودعه عند الباب بابتسامة مدروسة بعناية، تخفي وراءها جيشا من المخاوف، تقول له: "لا تقلق"، بينما هي أكثر من يعرف معنى القلق في تلك اللحظة.

وحين يدخل إلى القاعة، يبدأ امتحانها هي، امتحان الانتظار، ذلك الامتحان الذي لا منهج له ولا أسئلة واضحة ولا وقت محددا لانتهائه.

تجلس في البيت، لكن قلبها يبقى هناك، على المقعد الخشبي الذي يجلس عليه ابنها، تحاول أن تنشغل بإعداد الطعام أو ترتيب المنزل أو متابعة أعمالها اليومية، غير أن عقارب الساعة تظل أثقل من المعتاد، وكأن الزمن نفسه قرر أن يختبر صبرها.

بعض الأمهات لا ينتظرن نجاح أبنائهن فحسب، بل ينتظرن حصاد سنوات كاملة من التعب، سنوات من السهر، والمتابعة، والاقتطاع من مصروف البيت، وتأجيل الرغبات الصغيرة لصالح حلم أكبر، لذلك لا تكون النتيجة بالنسبة إليهن رقما على شاشة أو ورقة، بل شهادة غير مكتوبة على أن كل ذلك العناء لم يذهب سدى.

لم تضبط آمنة صبري منبه والدة هاتفها طوال العام، تقول "كنت أستيقظ قبل الرابعة تلقائيا، أتوجه إلى المطبخ وهناك تبدأ طقوس يومية حفظتها عن ظهر قلب، تحضير القهوة، وتجهيز الفطور، وترتيب الكتب والدفاتر التي سترافق لينا في يوم جديد من المراجعة".

تضيف "أحيانا كنت أستيقظ وأشعر أنني تأخرت، فأركض نحو غرفتها لأتفقد الساعة، كنت أخاف أن يضيع منها درس أو ساعة مراجعة، وكأن مستقبلا كاملا يمكن أن يتعثر بسبب دقائق قليلة."

تضحك وهي تروي ذلك، لكنها تعترف أن الضحكة تخفي تعبا طويلا

لم تكن آمنة تدرس المنهاج، لكنها كانت تعيشه، فهي تحفظ مواعيد الامتحانات وتعرف أي المواد تحبها ابنتها وأيها تخشاها، كانت تميز من ملامح وجهها إن كانت جلسة اللغة الإنجليزية مرت بسلام أم أن الرياضيات التي لم تقدمها بعد ستترك وراءها قلقا جديدا.

أما أم عامر زياد فتقول إنها كانت تسهر حتى ساعات متأخرة من الليل إلى جانب ابنها وبعدها كانت الأم تتظاهر بالنوم، تقول: "كنت أطفئ الضوء في غرفتي، لكنني أبقى مستيقظة، أسمع حركة الأوراق وتقليب الصفحات، أراقب كل شيء وكأنني موجودة معه في غرفته".

وتضيف خلال عام كامل، تغير إيقاع البيت كله، الزيارات العائلية أصبحت أقل، والمناسبات المؤجلة أكثر، وحتى أحاديث المساء باتت تدور حول الامتحانات والمواد والعلامات المتوقعة. لم تعد الأم تعد الأيام للمناسبات والأعياد، بل لجولة الامتحانات القادمة".

وتعترف بأن أصعب اللحظات لم تكن أيام الدراسة، بل الأيام التي كانت ترى فيها ابنها محبطا.

تضيف أم عامر "كنت أخاف من لحظات اليأس أكثر من خوفي من الامتحان نفسه، عندما كان يقول إنه متعب أو إنه لم يعد قادرا على الحفظ، كنت أبحث عن أي كلمة تعيد إليه ثقته بنفسه، حتى لو كنت أنا نفسي بحاجة إلى من يطمئنني."

واليوم، مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، تشعر أمهات طلبة الثانوية العامة أن أن سنة كاملة تمر أمام عيونهن دفعة واحدة. سنة من الاستيقاظ المبكر، ومن فناجين القهوة التي بردت قبل أن يشربنها، ومن الأدعية التي كن يرددنها بصمت كلما أغلق أبناؤهن الأبواب متجهين إلى المدرسة.