الدولة الفلسطينية بين انهيار اليمين المتطرف ووصول يمين الوسط في انتخابات الكنيست المقبلة!
د. رمزي عودة

ليس من المفترض أن نبني تطلعات كبيرة حول حكومة إسرائيلية ما بعد نتنياهو في انتخابات الكنيست القادمة رقم 26. صحيح أن استطلاعات الرأي ترجّح فوز معسكر يمين الوسط بزعامة نفتالي بينيت– لابيد أو بزعامة آيزنكوت، إلا أن الكثير من الأوراق ما زالت بيد زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، فهو الأقرب حتى الآن إلى دعوة الرئيس الإسرائيلي لتشكيل الحكومة الجديدة. فلا يزال الليكود يتصدر قائمة المقاعد الأعلى المتوقعة في انتخابات الكنيست القادمة (22 - 25 مقعدًا)، وهو ما يمنحه فرصة للمناورة وكسب مقاعد الأحزاب الصغيرة، وربما الكبيرة مثل شاس، أو حتى التحالف مع حزب بينيت– لابيد (22–28 مقعدا) إذا أراد تشكيل حكومة الوحدة. في حال انعدام فرصة لتشكيل ائتلاف يحظى بثقة الكنيست.
ورغم أن الثقة بنتنياهو منخفضة جداً في ما يتعلق بحكومات "الوحدة الوطنية"، لا سيما بعد تجربته مع بيني غانتس في حكومة الوحدة عام 2020، حيث قام نتنياهو، بالمماطلة في تنفيذ اتفاق التناوب، ولم تتح لغانتس فرصة تشكيل الحكومة وفق الاتفاق، في حين استفاد نتنياهو من الترتيبات القائمة؛ فإن فرصة تشكيل حكومة "وحدة وطنية" ستظل قائمة.
ويبقى خيار التصويت لحزب "يسار" بزعامة آيزنكوت عاملاً مرجحا لأي ائتلاف حاكم، حيث ترجّح استطلاعات الرأي حصوله على نحو 20 مقعدًا. وهذا يشير بوضوح إلى أنه في حال تحالف يمين الوسط، ممثلًا بمعسكر نفتالي بينيت– لابيد، مع معسكر آيزنكوت– غانتس، فإننا نتحدث عن أغلبية مريحة لهذا المعسكر قادرة على نيل ثقة الكنيست على حساب معسكر الليكود والصهيونية الدينية. وبالطبع، فإن هذا السيناريو سيصبح أكثر سهولة في حال التحالف مع حزب إسرائيل بيتنا بزعامة أفيغدور ليبرمان، الخصم التاريخي لنتنياهو.
في هذا السياق، فإن فرص فوز نتنياهو في الانتخابات القادمة خلال العام الجاري قد تتضاءل، إلا أن هذه النتيجة تعتمد على ثلاثة عوامل مهمة:
العامل الأول: مدى تحالف وتماسك معسكر يمين الوسط، وقدرته على مواجهة معسكر الليكود والصهيونية الدينية. وأعتقد أن هذه المسألة ليست موضع شك، بالنظر إلى سياق الصراع السياسي بين المعسكرين. فقد انتقد آيزنكوت، رئيس هيئة الأركان العسكرية السابق، نتنياهو بشدة خلال حرب الإبادة في غزة، واستقال من حكومة الطوارئ عام 2024 اعتراضاً على سياساتها، بينما يُعد نفتالي بينيت من أبرز معارضي نتنياهو، وقد قاد بنفسه تظاهرات ضده، متهماً إياه بتقديم بقائه السياسي على مصالح إسرائيل العليا، ومنتقداً تحالفه مع الصهيونية الدينية وسياساته التي عُرفت بالإصلاح القضائي.
العامل الثاني: يعتمد على درجة قوة العلاقة بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو. ومن المعروف أن هذه العلاقات شهدت مؤخراً توتراً على خلفية توقيع مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، واعتراض حكومة نتنياهو على هذه المذكرة، الأمر الذي أثار حفيظة إدارة ترامب التي لم تتوانَ عن انتقاد إسرائيل بسبب موقفها هذا. ولعل ما صرّح به نائب الرئيس الأمريكي فانس مؤخراً حول الهجوم الإسرائيلي على إدارة ترامب والرئيس ترامب نفسه بسبب الاتفاق يمثل مؤشرا واضحاً على تراجع مستوى العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية، حيث أشار فانس إلى أنه لو كان مكان الحكومة الإسرائيلية لما هاجموا رئيس أكبر دولة عظمى، وهي الدولة الوحيدة التي بقيت إلى جانب إسرائيل وتعمل على حمايتها. وفي الواقع، إذا خُيّرت الإدارة الأميركية بين التعامل مع نتنياهو أو بينيت، فإنها قد تميل إلى اختيار الأخير باعتباره شخصية أكثر قرباً من سياسات ترامب وأكثر قبولاً لدى دوائر صنع القرار الأميركية.
العامل الثالث: يتمثل في إحراج الإدارة الأميركية والحكومات الغربية بسبب تصرفات وسلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا سيما مع تصاعد خطاب التطرف لدى بعض قادتها، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى درجة أصبح من بين أسماء قياداتها أسماء مرتبطة بانتقادات دولية واسعة، بما في ذلك اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب بمن فيهم نتنياهو نفسه المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية. وهذا ما يفرض قيوداً على مستوى العلاقات والتحالفات الغربية مع إسرائيل، خصوصاً في ظل غياب أي آفاق فعلية لتحقيق السلام في ظل الحكومة الحالية.
بالمحصلة، فإن العوامل الداخلية والخارجية لا تدفع باتجاه إعادة انتخاب نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف في انتخابات الكنيست القادمة، وهذا ما سينعكس حتمًا على القضية الفلسطينية. ففي الواقع، تبقى فرص قيام دولة فلسطينية في ظل حكومة يمين الوسط محدودة، لكنها قد تصبح أكثر حضوراً على الأجندة الدولية مقارنة بحكومة يهيمن عليها اليمين الديني.
فآيزنكوت، بحكم خلفيته العسكرية، قد يكون أكثر استعداداً للتعامل مع الضغوط الأميركية والعربية بشأن مسار سياسي، لكنه لا يطرح في الوقت الحالي برنامجاً واضحاً لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة. مع الإشارة إلى أنه، إلى جانب غانتس، كان قريباً من فكرة الدولة المؤقتة أو الدولة منقوصة السيادة، وهي الفكرة التي رفضتها القيادة الفلسطينية حينها. أما بينيت، ورغم اعتداله النسبي مقارنة باليمين الديني المتشدد، فقد عارض تاريخياً قيام دولة فلسطينية، وطرح بدائل تقوم على إدارة الصراع بدلاً من حله.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً، في حال فوز معسكر يمين الوسط، هو عودة الحديث عن "أفق سياسي" أو ترتيبات انتقالية، وليس الدخول في مفاوضات نهائية سريعة. أو بكلمات أخرى، إنها مرحلة ليست للوصول إلى السلام وإنما لوقف العدوان والحروب. ومع ذلك، تبدو فرص تجميد العمل في منطقة E1 أكثر احتمالاً في حال وصول يمين الوسط إلى الحكم، كما أن ملفات الحرب مع حزب الله قد تكون أقرب إلى الحل. أما بالنسبة إلى قطاع غزة، فتبدو حكومة يمين الوسط أكثر انفتاحاً على ترتيبات إقليمية تشمل السلطة الوطنية الفلسطينية أو أطرافاً عربية، لكنها حتماً ستضع شروطاً أمنية صارمة تتعلق بنزع سلاح حماس ومنع إعادة بناء قدراتها العسكرية.
في الحقيقة، نخلص في هذا المقال إلى أنه في حال فوز معسكر يمين الوسط الإسرائيلي، فإن التغيير الأكبر سيكون في طريقة إدارة الصراع، وليس بالضرورة في أهدافه النهائية. فقد تنخفض حدة الخطاب تجاه الفلسطينيين، وقد تتراجع حدة اعتداءات المستوطنين، كما قد تتحسن شروط الحياة بالنسبة للشعب الفلسطيني والأسرى، بما في ذلك احتمال قبول شروط أكثر مرونة بشأن إعادة أموال المقاصة إلى خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية.
كذلك قد تزداد فرص التفاهم مع المجتمع الدولي، وقد يصبح الحديث عن مسار سياسي أكثر قبولاً على المستوى الإقليمي والدولي. ولكن، فيما يتعلق بإقامة دولة فلسطينية، ووقف الاستيطان، وحل قضية قطاع غزة، فإن هذه الملفات ستبقى رهينة بتحولات أكبر من مجرد تغيير الحكومة الإسرائيلية؛ فهي ترتبط بتغيرات بنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي، وبقدرة النظام السياسي الفلسطيني على الصمود وعلى المضي قدماً في مسارات الإصلاح والتنمية وتعزيز الحوكمة، إضافة إلى وجود ضغط دولي قادر على تحويل الحديث عن السلام إلى خطوات عملية. وعليه، يمكن القول إن انتخابات إسرائيل المقبلة قد تحدد نهاية مرحلة سياسية معينة، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل القضية الفلسطينية.
مواضيع ذات صلة