حين يصبح المنفى سؤالا للهوية
مهيب البرغوثي

لا يكشف المنفى عن جغرافيا جديدة فحسب، بل يكشف أيضا عن طبقات خفية في ذواتنا لم تكن مرئية من قبل. فحين نغادر المكان الذي اعتدنا أن نعرف أنفسنا من خلاله، نصبح أكثر عرضة لأسئلة الهوية والانتماء والاختلاف. وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا: هل هي الهويات "المفتعلة" التي تجعلنا نقع في فخ "الآخرية"؟
من بين التعريفات الكثيرة للمنفى، أنه حالة اختبار دائم للذات في مواجهة الآخر، واختبار لقدرتها على مراجعة يقينياتها وإعادة اكتشاف حدودها. ففي المنفى يصبح ما اعتبرناه يوما عناصر ثابتة للهوية ــ اللغة، والانتماء، والذاكرة، والعادات ــ موضوعا للتفاوض وإعادة التعريف.
نحن القادمون من مجتمعات بطريركية وأحادية مغلقة ، اعتادت النظر إلى ذاتها باعتبارها المركز الوحيد للحقيقة، نجد أنفسنا في فضاءات أكثر تنوعا وتعقيدا. غير أن التعددية لا تعني بالضرورة قبول الاختلاف؛ فالثقافات المتجاورة قد تعيش جنبا إلى جنب وهي تحمل في داخلها أشكالا مختلفة من الريبة والإقصاء. وهنا يكتشف المنفي أن الآخر ليس دائما أكثر انفتاحا مما كان يظن، كما يكتشف أن صورته عن ذاته لم تكن بريئة من الأحكام المسبقة أيضا.
بالنسبة لنا كعرب، وكفلسطينيين على وجه الخصوص، يبدو مفهوم الحرية في المنفى ملتبسا إلى حد بعيد. فمن جهة، يتيح المنفى مساحة أوسع للتعبير والنقد وإعادة التفكير في المسلمات التي نشأنا عليها. لكنه، من جهة أخرى، يضعنا أمام تحديات جديدة تتعلق بالاندماج والاعتراف والتمثيل. نتحرر من بعض القيود، لكننا نصطدم بقيود أخرى أقل وضوحا وأكثر تعقيدا.
والفلسطيني يحمل هذا التناقض بصورة مضاعفة. فهو لا يغادر وطنا فحسب، بل يحمل معه وطنا كاملا في الذاكرة. لذلك تتحول الهوية الفلسطينية في المنفى إلى فعل يومي من التذكر والمقاومة وإعادة السرد. غير أن قيمة هذه الهوية لا تكمن في انغلاقها على ذاتها، بل في قدرتها على الحوار مع العالم دون أن تفقد جذورها.
لعل أخطر ما يواجهه المنفي ليس ضياع الهوية، بل تحولها إلى يقين مغلق. فالهويات التي تبنى على الخوف من الآخر تنتهي إلى إعادة إنتاج العزلة بأشكال جديدة. أما الهوية الحية فهي تلك التي تدرك أن الاختلاف ليس تهديدا، بل فرصة لفهم الذات على نحو أعمق.
ويؤكد امين معلوف الكاتب اللبناني الذي عاش معظم حياته في المنفى في صراع مع الهوية، في كتابه "الهويات القاتلة " أن الإنسان يحمل هويات متعددة في الوقت نفسه: فهو قد يكون فلسطينيا، وعربيا، ومسلما أو مسيحيا، ومثقفا، ومهاجرا، ومتحدثا بعدة لغات، وعضوا في مهنة أو طبقة اجتماعية معينة. المشكلة تبدأ عندما يفرض المجتمع أو السياسة أو الصراع على الفرد أن يختار هوية واحدة ويجعلها فوق كل ما عداها.
ومن الأفكار المهمة في الكتاب قوله إن الناس غالبا ما يصبحون أكثر تشبثا بهوية معينة عندما يشعرون أنها مهددة. عندها تتحول الهوية من مساحة انتماء إلى "خندق" للدفاع عن الذات، وقد تصبح، في ظروف معينة، هوية قاتلة.
وهنا تكمن الفكرة في الحديث عن المنفى للفلسطيني ؛ إذ يمكن القول إن المنفى يضع الفرد أمام خطرين متناقضين: الذوبان الكامل في الآخر، أو الاحتماء بهوية أحادية مغلقة. وبين هذين الحدين يقترح معلوف هوية مركبة، قادرة على الحفاظ على الذاكرة والانتماء دون السقوط في فخ "الآخرية" والإقصاء.
وهكذا يصبح المنفى، على قسوته، مختبرا أخلاقيا وثقافيا. ففيه نتعلم أن الانتماء لا يقاس فقط بما نحمله من ذاكرة، بل أيضا بقدرتنا على الاعتراف بالآخر، وأن الحرية ليست مجرد التحرر من القيود، بل امتلاك الشجاعة لمراجعة تصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم. وربما عند هذه النقطة تحديدا، يتحول المنفى من خسارة للمكان إلى إمكانية جديدة لاكتشاف المعنى.
مواضيع ذات صلة
حين يصبح المنفى سؤالا للهوية
ندوة في متحف محمود درويش بعنوان "الأشياء، الذاكرة والهوية في الثقافة الفلسطينية والأدب"
حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم
أسئلة مطروحة على قارعة الوجع .. كلمة احتفائية
الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب
حسين البرغوثي في الضفة الثالثة للمدن الخائفة.. الابن يترجم اباه بعد اكثر من ربع قرن على رحيله
المقاطعة الفنية تعزّز حراكها في أوروبا ضد مُموّلي الاحتلال