مياه ملوثة... وجه آخر للحرب في غزة يهدد حياة النازحين

لم تعد معاناة سكان قطاع غزة تقتصر على القصف والنزوح وفقدان المأوى، فالحرب التي طالت كل تفاصيل الحياة اليومية امتدت إلى أحد أبسط مقومات البقاء: مياه الشرب.
في خيام النزوح المنتشرة في مدينة غزة ومختلف مناطق القطاع، بات الحصول على كوب ماء آمن تحدياً يومياً يثقل كاهل المواطنين الذين يواجهون خطر الأمراض إلى جانب شبح الجوع والحصار. وبينما يبحث النازحون عن أي مصدر يروي عطشهم، تتحول المياه في كثير من الأحيان إلى مصدر جديد للمرض والمعاناة.
على باب خيمته في شارع اليرموك وسط مدينة غزة، يستعيد أمين الكجك (45 عاماً) تفاصيل أيام قاسية عاشها بعد حصوله وعشرات النازحين على مياه للشرب وزعتها إحدى الشاحنات داخل المخيم.
يقول: "وصلت شاحنة مياه إلى المكان واستفاد منها معظم النازحين. بعد ساعات فقط بدأت تظهر أعراض غريبة على كثيرين، من بينهم أنا، وتبين لاحقاً أن المياه كانت ملوثة وغير صالحة للشرب".
ويضيف: "عانيت مغصاً كلوياً شديداً وإسهالاً وقيئاً، وعندما توجهت إلى النقطة الطبية أخبرني العاملون هناك أن الأعراض مرتبطة بالمياه التي شربناها. استمرت معاناتي ثلاثة أيام كاملة قبل أن تتحسن حالتي".
ومنذ ذلك الحين، اضطر أمين إلى شراء المياه من محطات تحلية معروفة رغم ضيق الحال، خشية تكرار التجربة ذاتها.
غير بعيد عنه، تروي ربا رشيد (23 عاماً)، وهي أم نازحة، قصة مشابهة عاشها أطفالها.
تقول: "شرب أطفالي من المياه التي وُزعت مجاناً على النازحين، وفي ساعات الليل ارتفعت حرارتهم وأصيبوا بمغص شديد. لم أكن أعلم أن السبب هو المياه حتى أخبرني الصيدلي بذلك".
وتتابع: "تلقى أطفالي علاجاً للمعدة والأمعاء، وبعد يومين بدأت حالتهم تتحسن، لكن الخوف ما زال يرافقنا في كل مرة نحصل فيها على المياه".
وتشير إلى أن آلاف العائلات النازحة لا تملك خيار شراء المياه بسبب الفقر وفقدان مصادر الدخل، ما يجعلها تعتمد على أي مصدر متاح مهما كانت جودته.
محطات التحلية تحت الضغط
ولا تتوقف المشكلة عند حدود التوزيع، بل تمتد إلى عمليات إنتاج المياه نفسها.
صاحب إحدى محطات تحلية المياه في غزة، معتصم الفيومي، يوضح أن قطاع المياه يواجه أزمة معقدة منذ اندلاع الحرب، نتيجة النقص الحاد في المواد اللازمة لتشغيل وصيانة محطات التحلية.
ويقول إن عملية التحلية تعتمد على فلاتر وأغشية خاصة مسؤولة عن تنقية المياه من الشوائب والأملاح، إلا أن هذه المواد لم تعد متوفرة بالقدر الكافي، ما يضع المحطات أمام تحديات كبيرة للحفاظ على جودة المياه المنتجة.
ويضيف أن بعض الجهات الممولة أو المزودة للمياه تبحث أحياناً عن أقل التكاليف، الأمر الذي قد ينعكس على جودة المياه المقدمة للمواطنين، ويزيد احتمالات تلوثها بالشوائب أو الميكروبات.
ويحذر من أن الأطفال وكبار السن ومرضى الكلى هم الأكثر عرضة لمضاعفات المياه غير المطابقة للمواصفات الصحية، مشيراً إلى أن المراكز الصحية والمستشفيات تستقبل بشكل متكرر حالات تعاني من المغص الكلوي والإسهال ومشكلات الجهاز الهضمي.
كما يلفت إلى مشكلة أخرى تتعلق بوسائل تخزين المياه ونقلها، مؤكداً أن ظروف التخزين غير المناسبة قد تؤثر سلباً على جودة المياه قبل وصولها إلى المواطنين.
مخاطر صحية متفاقمة
من جانبه، يؤكد الصيدلي الدكتور خالد عودة أن سكان الخيام ومراكز النزوح يعانون بصورة متزايدة من أمراض مرتبطة بالجهاز البولي والهضمي، في ظل تراجع جودة المياه المتاحة وارتفاع نسب التلوث.
ويشير إلى أن تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي ومياه البحر كان يمثل تحدياً صحياً قائماً حتى قبل الحرب، إلا أن انهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية المائية والبيئية والصحية خلال الأشهر الماضية فاقم من حجم الأزمة ومخاطرها.
ويضيف أن استمرار تدهور منظومة المياه والصرف الصحي يهدد بزيادة انتشار الأمراض، خاصة في ظل الاكتظاظ الكبير داخل مخيمات النزوح، وضعف الإمكانات الطبية، وصعوبة الحصول على مياه شرب آمنة بشكل منتظم.
أزمة تتجاوز العطش
وفي قطاع يرزح تحت وطأة الحرب والحصار، لم يعد الماء مجرد حاجة يومية، بل تحول إلى قضية بقاء بالنسبة لمئات آلاف النازحين. وبين البحث عن جرعة ماء تروي العطش والخوف من الأمراض التي قد تحملها، يعيش سكان غزة فصلاً جديداً من المعاناة الإنسانية، حيث باتت أبسط مقومات الحياة جزءاً من معركة يومية لا تنتهي.
مواضيع ذات صلة
مياه ملوثة... وجه آخر للحرب في غزة يهدد حياة النازحين
الاحتلال يهدم 8 منازل في برطعة جنوب غرب جنين ويهدد بهدم 12 أخرى
الاحتلال يعتدي بالضرب المبرح على عدد من العمال ويعتقلهم عند حاجز العيسوية
سعد: الاحتلال دمّر مستقبل العمال الفلسطينيين والحق أضرارا جسيمة بالاقتصاد الوطني
مصابون بقصف طيران الاحتلال شقة سكنية في مدينة غزة
الرئيس يتسلم التقرير السنوي لصندوق الاستثمار الفلسطيني لعام 2025