نكسة 1967 هي الفصل الثاني من النكبة
باسم برهوم

لتخفيف وقع الهزيمة التي حدثت في الخامس حزيران 1967، استخدم الإعلام العربي مصطلح "نكسة"، تم اختيار هذا المصطلح الفضفاض بذكاء، وقد يكون العبقري حسنين هيكل هو من بادر لاستخدامه؛ ليمهد ويبرر للزعيم المصري جمال عبد الناصر التراجع عن استقالته، التي أعلنها في خطاب درامي -سمعته أنا شخصيا -في حينه- بكيت، وبكت معي كل الأمة العربية- قد يمتد معنى النكسة من كونه إخفاقا بسيطا يمكن تجاوزه، إلى هزيمة بوقع قوي، هزيمة لا نقاش فيها، ولكن غالبية الجماهير العربية في حينه أرادت او مالت لاعتبار ما جرى إخفاقا؛ لأنها -في تلك المرحلة- كانت تعلق آمالا كبيرة على مشروع عبد الناصر القومي الوحدوي، أو -ربما- لأنها لا تريد تصديق ما جرى في حرب استمرت 6 أيام فقط، وانتهت باحتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي ما تبقى من أراضي فلسطين عام 1948، واحتلال هضبة الجولان السورية، وشبه جزيرة سيناء المصرية.
في هذه النكسة احتلت إسرائيل بأيام معدودة أكثر من ثلاثة أضعاف مساحتها، وجرى كل شيء وكأنه لمحة بصر، فقد صحونا صبيحة الخامس من حزيران على انتصارات جبارة أطلقها الإعلامي المصري أحمد سعيد في راديو "صوت العرب"، مستخدما مصطلحات تثير العواطف: "تَجوَّع يا سمك"، بمعنى أن سمك البحر الأبيض سيأكل الإسرائيليين الذين سترميهم الجيوش العربية في البحر الأبيض. وبعد خمسة أيام فقط من هذه "الانتصارات" استفاقت الأمة العربية على هزيمة مرة. ومن بين الأمة كان الشعب الفلسطيني، أكثر مرارة وحسرة؛ لأن فلسطين أصبحت كلها تحت سيطرة الصهيونية.
أكثر من ربع مليون فلسطيني نزح من الضفة، قسم كبير منهم ينزح للمرة الثانية، كان الفلسطينيون -الذين أطلقوا ثورتهم للتو (1965)- يسعون لتحرير فلسطين، التي احتلتها المنظمة الصهيونية في حرب العام 1948؛ لتصبح مهمة تحرير فلسطين أكثر صعوبة، والزعماء العرب -الذين اجتمعوا في العاصمة السودانية الخرطوم، وقالوا: "لا صلح، ولا اعتراف، ولا مفاوضات مع إسرائيل"، ورفعوا شعار: "ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة"- كانوا قد وافقوا للتوّ على القرار 242، الذي يتحدث -فقط- عن انسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في الحرب الأخيرة (1967).
الـ"لاءات الثلاث" تجاهلت أن الدول العربية، كانت جلست وجها إلى وجه مع إسرائيل في العام 1949، واتفقت معها على هدنة دائمة.
في نكبة العام 1948، تم تفكيك فلسطين، وتمت إزالتها عن خريطة الشرق الأوسط، وتم تفكيك المحتمع الفلسطيني، الذي أصبح أكثر من ثلثيه لاجئين، وبعد النكبة تم طمس هوية الشعب الفلسطيني الوطنية، وأصبح الفلسطينيون جزءا من نسيج الدول العربية التي لجأ إليها، بل انصهروا في أحزابها التي لم يكن تحرير فلسطين ضمن أولوياتها. بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، غاب مصطلح تحرير فلسطين؛ ليحل محله هدف "إزالة آثار العدوان"، أي تحرير الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل في هذه الحرب.
ولأن الهدف أصبح إزالة آثار العدوان، فإن القرار 242 أصبح الأساس لأي مفاوضات عربية إسرائيلية، بدءا من الاتفاق المصري الإسرائيلي، مرورا بمؤتمر مدريد للسلام، الذي حضره كل العرب وجها إلى وجه مع إسرائيل، وانتهاء بكل الاتفاقات والمفاوضات اللاحقة، وجاء اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي عام 1993 (أوسلو)، نتيجة لكل هذا التاريخ وفي سياقه، وكذلك اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، والمفاوضات السورية الإسرائيلية المباشرة.
وبقدر ما كانت حرب العام 1948، تمثل نكبة قاسية على الشعب الفلسطيني والعرب، فإن حرب العام 1967، لا يمكن أن نطلق عليها نكسة؛ بل الفصل الثاني من النكبة.