عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 أيار 2026

لماذا تفشل الزراعة المائية داخل البيوت المحمية في فلسطين؟

وسام سوداح

عند إعداد دراسة جدوى لمشروع زراعة مائية تجاري، واجهت سؤالا حاسما منذ اللحظة الأولى: هل البيوت المحمية المستخدمة في فلسطين قادرة فعلا على احتضان أنظمة الزراعة المائية، بما تتطلبه من دقة عالية في التحكم بدرجات الحرارة والرطوبة، أم أن تصميمها الحالي يجعلها عائقا أكثر من كونها بيئة مناسبة لهذا النوع من الزراعة؟

لم يكن هذا السؤال مجرد تفصيل تقني داخل الدراسة، بل كان نقطة مفصلية تحدد مدى واقعية المشروع من أساسه؛ إذ إن أنظمة الزراعة المائية تعتمد بشكل كبير على استقرار البيئة الداخلية، وأي خلل في درجات الحرارة ينعكس مباشرة على الإنتاجية وجودة المحاصيل.

تعد النباتات المزروعة ضمن هذه الأنظمة شديدة الحساسية للتغيرات المناخية، خصوصا الحرارة والرطوبة، إضافة إلى مستوى الأكسجين الذائب في المحلول المغذي. فارتفاع حرارة المحلول يؤدي إلى انخفاض الأكسجين الذائب، مما يضعف امتصاص الجذور ويؤثر سلبا على النمو.

ولهذا، تعتمد العديد من المشاريع على تقنيات للحفاظ على استقرار حرارة المحلول، مثل عزل خزانات الري حراريا، أو وضعها في أماكن أكثر برودة، أو دفنها جزئيا في التربة، بهدف تقليل تأثير التقلبات الحرارية الخارجية.

ورغم إمكانية التحكم في قيم الحموضة (pH) والملوحة (EC)، تبقى درجة الحرارة العامل الأكثر تأثيرا في كفاءة الامتصاص والنشاط الحيوي داخل النبات، كما تؤثر بشكل غير مباشر على توازن المحلول المغذي.

وتعد درجات الحرارة المرتفعة أكثر خطورة من المنخفضة في معظم الحالات، إذ تقلل الأكسجين الذائب وترفع احتمالية الإصابة بالأمراض، وقد تصل في الحالات الشديدة إلى تعفن الجذور وموت النباتات.

ويظهر هذا التأثير بوضوح في أنظمة التدفق المائي مثل نظام NFT، حيث تؤدي حرارة البيئة المحيطة إلى تسخين القنوات ورفع حرارة المحلول، مما ينعكس سلبا على صحة النبات وكفاءة الامتصاص.

وبالتالي، فإن التحكم بدرجات الحرارة داخل البيوت المحمية لا يقتصر على تحسين النمو فقط، بل يمتد ليشمل كفاءة استخدام المياه والأسمدة وتقليل الحاجة إلى المبيدات، مما يؤدي إلى إنتاج أكثر استقرارا وجودة أعلى.

ومن هنا يبرز السؤال: هل البيوت المحمية الحالية في فلسطين جاهزة فعلا للزراعة المائية بكفاءة، أم أنها تحتاج إلى تطويرات جوهرية لمواكبة متطلبات التحكم المناخي الحديث؟

يمكن القول إن هذه البيوت قابلة للتطوير لتصبح مناسبة للزراعة المائية، بشرط تحسين بيئتها الداخلية، خاصة فيما يتعلق بضبط الحرارة والرطوبة.

ويشمل ذلك تحسين الغلاف الخارجي باستخدام مواد أكثر كفاءة في العزل مثل البولي كربونيت أو الزجاج في بعض الحالات، إضافة إلى أنظمة تبريد فعالة مثل خلايا التبريد، التي تعد من أبرز حلول التحكم المناخي عند تصميمها وتشغيلها بشكل علمي.

في المقابل، تبقى الطرق التقليدية مثل التظليل بالجير الزراعي أو المخاليط الترابية محدودة التأثير، إذ لا تحقق الاستقرار الحراري المطلوب في أنظمة دقيقة مثل الزراعة المائية.

وفي النهاية، فإن نجاح الزراعة المائية لا يعتمد فقط على المعدات والخبرة، بل على جودة البيئة الزراعية نفسها، وعلى رأسها القدرة على التحكم بدرجات الحرارة.

وعليه، فإن تطوير البيوت المحمية لم يعد خيارا ثانويا، بل ضرورة أساسية للزراعة الحديثة، سواء المائية أو التقليدية، لتحقيق إنتاج مستقر وفعال بأقل تكلفة وجهد، والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي.