عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيار 2026

مؤتمر فتح الثامن.. أي برنامج سياسي نريد؟

باسم برهوم

ثمة حقيقة لا بد من ملاحظتها ونحن نتناول مؤتمر فتح الثامن، وهي ان هذا الحركة صمدت بثبات رغم كل الاستهداف المتواصل وبلا توقف، سواء  من العدو المباشر، او من الإخوة الأعداء، وخاصة حماس التي تمثل جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، ومن بعض  الدول العربية وإلإقليمية، التي  تتنافس على انتزاع القرار الوطني الفلسطيني المستقل، طمعا بدور إقليمي. والحقيقة الأخرى هي  ان فتح تقع على عاتقها مسؤوليات كبيرة، اهمها عدم التفريط بالقرار الوطني، وابقاء قدرة الحالة الوطنية الفلسطينية على الاستمرار وفي ظل ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد.

استهداف فتح وتكالب العديد من القوى عليها، لانها ببساطة العنوان للوطنية الفلسطينية، ولأنها تقود المشروع الوطني الفلسطيني، الذي هدفه الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ولكونها النواة الصلبة للكيانية السياسية الفلسطينية المتمثلة في هذه المرحلة بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية. ويعتقد من يمارسون هذا الاستهداف بانهم إذا نالوا من فتح فإنهم سينالون من الوطنية الفلسطينية، ويتوقعون ان  ينهار مشروعهاالوطني وهدف الدولة، والأهم يسهل عليهم مصادرة القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وبالتالي بالنسبة لإسرائيل يصبح بإمكانها القول انها نجحت في تصفية القضية الفلسطينية، اقله على المدى المنظور، اما الاخرون فيصبح بإمكانهم استخدام ورقة القضية الفلسطينية بما يخدم مصالحهم.

وانطلاقا من هذه الحقيقة، فإن ما هو مطلوب من فتح وفي كل المراحل هو كبير وكبير جدا، وفي هذه المرحلة بالتحديد، حيث المخاطر تهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية من كل صوب، مطلوب منها خطة إنقاذ وطني عمادها برنامج سياسي متماسك، وفتح بتاريخها وتجربتها الطويلة، وما تدركه من مدى المسؤولية التي تقع على عاتقها، قادرة على تقديم مثل هذا البرنامج النهضوي،  الذي سيصبح خطة عمل للقيادة الجديدة التي سينتخبها اعضاء المؤتمر، سواء اللجنة المركزية او المجلس الثوري. وفي نظرة للواقع الفلسطيني ليس هناك سوى فتح من يمكنه ان يقدم مثل هذا البرنامج. ليس لانها لا تزال تقود المشروع الوطني وحسب، بل لكونها المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب الفلسطيني وهويته وشخصيته الوطنية، ومع الاحترام لباقي الفصائل فهي من دون شك يمكنها طرح او المساهمة في الدفع نحو برنامج وطني يمكن ان ينهض بواقع الشعب الفلسطيني، لكنها ولاسباب عديدة لا يمكنها القيام بذلك. لأن اغلبها اما منخرط في أجندات خارحية. ومن ابرزها حماس، او انهاتنظر للامور من مصلحة تنظيمية ضيقة، وبالطبع لا يعني ان هذه القاعدة تنطبق على كافة الفصائل، فهناك فصائل لا تزال تتمسك بأهمية ان يمسك الشعب الفلسطيني بقراره الوطني المستقل.

وبعد كل ما تقدم يمكن طرح بعض الافكار التي نتوقع ان تأخذها فتح بعين الاعتبار وهي تضع وتقر برنامجها السياسي، الذي بالضرورة سيصبح برنامجا جامعا يصلح ان يكون مشروع او خطة عمل وطنية.

من المهم ان يقدم البرنامج تحليلا عميقا لواقع الشعب الفلسطيني الراهن، وواقع القضية الفلسطينية بعد حرب ابادة جماعية وحشية ارتكبتها الحكومة الإسرائيلية الفاشية في قطاع غزة، وما اصاب هذا القطاع من دمار في كافة مجالات الحياة، وما نجم عن مغامرة حماس الكارثية من احتلال اسرائيل لاكثر من نصف القطاع، ولكون قرار القطاع اصبح عمليا بيد الآخرين عبر مجلس السلام.

كما نتوقع ان يقدم البرنامج تحليلا للمتغيرات التي جرت على طبيعة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية في ظل هيمنة اليمين المتطرف على الحكومة والمجتمع الإسرائيلي، ويلاحظ الظواهر الخطيرة في ممارسات وما يصدر من قوانين تقود عمليا إلى ضم الضفة بشكل تدريجي لدولة الاحتلال، فهدف الدولة الفلسطينية في خطر حقيقي اليوم، كما القضية الفلسطينية برمتها في دائرة خطر التصفية. قد يكون من المطلوب من فتح ان تقدم بدائل وحلولا مرحلية من شأنها ان تعزز الصمود في المرحلة الحرجة الحالية، وهذا يشمل برنامج انعاش اقتصادي ومعيشي تضامني بين كافة ابناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، فلا يصح ان يبقى اغنياء فلسطين حول العام متفرجين على ضائقة اخوتهم في الوطن.

ومن المرجح ان يقدم البرنامح السياسي لفتح تحليلا عميقا للواقع العربي والاقليمي والدولي، ويقترح أساليب عمل سياسية ودبلوماسية، ويقترح مبادرات من شأنها ابقاء القضية الفلسطينية على جدول الاعمال العربي والدولي، وتقديم افكار من خارج الصندوق لدفع الدول العربية لتفعيل شبكة الأمان المالي لدولة فلسطين في ظل الحصار المشدد الذي تفرضه الحكومة الإسرائيلية المتطرفه. هناك واقع عربي ودولي غاية في الصعوبة، خصوصا بعد الحرب في إيران، وما نجم عنها من تداعيات سياسية واقتصادية صعبة. وانشغال عربي وخاصة خليجيا بهذه الحرب. وما يجدر التذكير به هنا ان القيادة الفلسطينية قد ادانت بأشد العبارات العدوان الإيراني على الأشقاء العرب في الخليج، وهي تميز في وسط كل هذا الضجيج ان العلاقات العربية العربية هي الأساس والسند للشعب الفلسطيني.

وتبقى المسألة الاهم وهي واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، وما تعانيه من ضعف وانقسام، وانخراط قوى فلسطينية عديدة في اجندات خارجية فالبرنامج السياسي وهو يلحظ بعمق هذا الواقع عليه ان يجيب عن سؤال الوحدة الوطنية وشروط هذه الوحدة، وان يكون التمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل هو المقياس لهذه الوحدة في هذه المرحلة العصيبة، وان يحدد البرنامج بدقة الاهداف التي يمكن ان يجمع عليها الجميع، وخاصة مشاريع انعاش الاقتصاد والواقع المعيشي للشعب الفلسطيني، فلا يمكن الحديث عن صمود او تحقيق أهداف ونحن مخنوقون اقتصاديا.

الوحدة الوطنية ليست شعارا، بل هي صيغة وطنية لا تقبل ان يكون اي طرف ضمنها مرهونا للخارج.

فتح لديها العقول والقيادة المجربة وتاريخ نضالي، ما يمكنها من تقديم برنامج سياسي ينهض بالواقع الفلسطيني الراهن، وإخراج الشعب الفلسطيني من المأزق الذي يعيش فيه في هذه المرحلة.