سؤال اللحظة الراهنة: ما العمل؟
باسم برهوم

ثمة حاجة ماسة لنقاش وطني فلسطيني بخصوص الواقع الفلسطيني الحالي وما يمكن عمله، في وقت يتردى فيه وضع المجتمع بشكل يهدده بالإنهيار الشامل، فالخطر الأكثر فداحة هو أن ندخل أنفسنا في حالة جمود، أو في نقاشات جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع، والغريب بالأمر أن الفصائل الفلسطينية، وبدون استثناء، لم تعد تبادر لأي شيء يمكن أن يشعر المواطن الفلسطيني بنوع من الأمل. المسألة لم تعد تحتمل التأجيل او الانتظار، خصوصا أن الحديث عن صمود بدون إعطاء بصيص من الأمل هو حديث غير مجدٍ وسبق أن جربناه وكانت النتائج بمنتهى السوء وضارة بالمشروع الوطني.
بعيدا عن الواقع المرير في غزة، حيث المواطنون الفلسطينيون هم هناك أقرب إلى الموت منهم للحياة، فقر وبؤس ومعاناة ووقت يمر دون أن يلمسوا خلاله بأي أمل يمكن يغير أحوالهم إلى الأفضل، في غزة الناس صامدون بحكم الحصار وليس لأسباب أخرى، هذا إذا أردنا رؤية الأشياء كما هي. وعلينا أن نراها كما هي لأن النقاش يحتاج إلى وضوح وصراحة. لقد أوصلت حماس قطاع غزة إلى هذه اللحظة المريعة، وجلبت لهم الدمار والفقر والجوع والبؤس، وجلبت للقضية الخراب، صحيح أن العدو الإسرائيلي هو المسؤول المباشر، لكن حماس وكما يعلم الجميع لم يكن لها سوى الأجندة الإخوانية، وكانت تعمل لأهداف خاصة بها هي.
الواقع في الضفة ليس بأفضل حالا، نسب الفقر تزداد باطّراد، والأمل يكاد أن يتوارى، قرى ومدن محاصرة، مساحة الحركة تضيق يوما بعد يوم. حصار سياسي ومالي على السلطة الوطنية الفلسطينية، وهذه الأخيرة تكاد تعجز عن القيام بواجباتها بسبب هذا الحصار. فالسؤال ما العمل؟
الصمود مع فقدان الأمل لا يلتقيان مهما بلغ الوعي بأهمية الصمود.
لا يجري الحديث هنا عن الأمل بمعناه الوطني الكبير، أو الإستراتيجي، وإنما الأمل المرتبط بالأداء، أداء الفصائل والنخب، أداء الحكومة، مرتبط أيضا بالخطاب، أن يتحدث السياسيون مع المواطن الفلسطيني باستمرار واطلاعه على الواقع وما يمكن عمله، خطاب يستنهض الهمم، ويقدم بدائل عملية حتى لو كانت بسيطة لتحسين شروط حياة الناس. نحن في حالة حرب وحصار واستيلاء عنصري مجنون على الأرض، الجميع يلمس خطورة الأوضاع، والتي تصبح أكثر خطورة مع فقدان الأمل، وغياب طرح البدائل، من هنا تنبع أهمية الحاجة لنقاش وطني يبحث عن البدائل مهما كانت بسيطة، لكنها يمكن أن تشكل بدايات وخطوات للنهوض.
يمكن طرح أسئلة تتعلق بالتكافل والتدبير المنزلي، وتشجيع المبادرات لزيادة الإنتاج في كل مجال من المجالات، التكافل أن يقوم على سبيل المثال مجموعة من رجال الأعمال بتأسيس صندوق فيما بينهم لدعم الأسر الأكثر حاجة، حتى داخل العائلات ذاتها أن يشكلوا فيما بينهم ما يمكن أن يطلق عليه الصناديق العائلية يساعد خلاله من أهم أفضل حالا من هم في ضائقة كبيرة. بالطبع كل هذه الطروحات لا تعفي الحكومة من البحث عن موارد جديدة، وان يصبح تركيزها الأساسي على هذا الهدف.
وإذا كان الهدف الذي يحظى بالأولية اليوم هو الصمود على الأرض، فإن كافة الجهود بالضرورة إن تكرس لهذا الهدف، هناك محاولات تقوم بها الحكومة ولكن تحتاج أن يلمس نتائجها المواطن، أو على الأقل مخاطبة المواطن بشكل أكثر وضوحا عن المشاكل والحلول، ثم ضمن أي خطة يمكن أن تقود للتغيير. بالتأكيد من حق المواطنين أن يسمعوا إلى أين مستقبلهم يتجه؟
للصمود الفلسطيني معنى مختلف عن أي صمود آخر، إنه ليس صمود في معركة أو حرب أو أزمة عابرة، إنه صمود يحتاج إلى طول نفس مع برنامج عمل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، برنامج يبقي الأمل، يؤمن حياة كريمة قبالة للاستمرار، مع وحدة وطنية متينة وتكاتف اجتماعي. طبيعة الصمود الفلسطيني تحددها طبيعة الصراع وطبيعة العدو وبالطبع الأهداف الوطنية التي يدركها الجميع.
السلطة الوطنية الفلسطينية تقوم بمحاولات وجهود حقيقية، لكونها السلطة المسؤولة عن حياة الشعب الفلسطيني. هي بالتأكيد تعاني من حصار مشدد، ولكن هي من عليها أن تجيب على سؤال: ما العمل؟ هي وكافة النخب الفلسطينية لأننا جميعا عالقون بواقع صعب وخطير للغاية.
وفي الفضاء الإقليمي والدولي، الذي طالما ربط الدعم الإصلاحات والسياسات المسؤولة، لم نعد نسمع منه أنه حتى مهتم بهذه الإصلاحات. صحيح أن الإقليم والعالم منشغلان في الحدث الأميركي الإيراني الكبير، ومع ذلك يبقى العمل الأساسي من واجباتنا نحن الفلسطينيين، فالانتظار والصبر وحده ليس حلا.