"الحرية لفلسطين".. الفكرة في عقل وعمل القائد خليل الوزير
سؤال عالماشي- موفق مطر

ما كان لشعار "الحرية لفلسطين" أن يأخذ مكانته في الوعي الشعبي والجماهيري والرسمي أيضا لدى شعوب ودول العالم، لولا جذور حركة التحرر الوطنية الفلسطينية الإنسانية، وتمكن قيادتها (الخلية الأولى) قبل اطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، من رسم صورة فلسطين التاريخية والطبيعية والحضارية، وترسيخها كحقيقة عاكسة لأسمى هدفين (الحرية والسلام) يسعى الانسان لتحقيقهما في حياته على الصعيد الفردي، وتناضل الشعوب لتكريسهما كثقافة على الصعيد الجمعي، ولولا القراءة الدقيقة لمنهج تطور مبدأ انحياز الشعوب الحرة لمبادئ الحقوق الانسانية والسياسية ونصرتها للقضايا العادلة، وكذلك الرؤية البعيدة بمداها وجدواها لإحداث التغيير المطلوب في المواقف السياسية لدى شعوب وحكومات وبرلمانات الدول في العالم عموما، وتأصيلها بأبعاد اخلاقية، وكذلك اجرائية عملية مستندة على قوانين منسجمة مع طبيعة النظام السياسي لكل دولة.
ولعل الكثير لا يعلمون أن القائد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، المعروف في الذاكرة الفلسطينية كقائد ميداني (عسكري) كان على رأس قيادة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، التي ارتكزت على ارادة الشعب الفلسطيني وإيمانه الراسخ بحقه التاريخي والطبيعي بأرض وطنه فلسطين، أثناء عملية رسم (خريطة طريق) للنضال الوطني الفلسطيني منذ العام 1958، حيث تم تأكيد العلاقة المصيرية مع العمق العربي الاستراتيجي، واعتباره قلب الثورة الفلسطينية المعاصرة، وتأكيد جذورها الانسانية بأبعادها اللامحدودة فكان مكتب فلسطين في الجزائر 1963 بمثابة نقطة التقاء وطني فلسطيني ومركز الوصل والتواصل مع حركات التحرر في افريقيا وشرق آسيا وأميركا اللاتينية، ومع قيادات دول عظيمة على رأسها (جمهورية الصين الشعبية) التي منحت الثورة الفلسطينية مسمى "ثورة المستحيل" نظرا للظروف المعقدة في دائرة كفاحها المباشر، وفي الدائرة المحيطة بها.. وهنا لا بد من القول ان الاسناد والمشاركة الشعبية العربية وكذلك تصاعد وتيرة العلاقة المتينة مع حركات التحرر في العالم كان مبتدؤها الانطلاقة الثانية 21 مارس 1968 إثر (معركة الكرامة) التي قاتل فيها الفدائيون وجنود الجيش العربي الاردني وكسروا بصمودهم وشجاعتهم هيبة انتصار جيش دولة الاحتلال (اسرائيل) في الخامس من حزيران سنة 1967، وهذا صحيح من حيث الظاهر للعيان نظرا لظروف العمل السري التي كانت سائدة قبل (معركة الكرامة) لكن الحقيقة أن قيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" كانت قد ارهصت لهذه اللحظة المفصلية في تاريخ الكفاح الوطني ببناء علاقات مع احزاب وقوى عربية وكذلك مع حركات تحرر ناضلت لعقود في تلك الفترة وانتصرت حتى باتت تقود بلادها المستقلة.. فمدرسة القيادة في مفهوم القائد الوطني في اطار حركة التحرر الفلسطينية كما جسدها الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) نشأت ونمت على مبادئ الانتماء الوطني والرؤى العقلانية الواقعية، فلا مصلحة تتقدم على المصالح العليا للشعب وعلى تحقيق اهدافه المرحلية والإستراتيجية، مدرسة قيادة كابحة لرغبات الذات، أو مجرد التفكير بتحويل الفعل أو العمل الوطني الى صورة مجد شخصي، قيادة تفكر بعقلية (نحن) الوطنية الانسانية ، المضادة لفئوية (الأنا) الانتحارية.
ما كان للحق الفلسطيني (القضية الفلسطينية) أن يحظى بهذه المكانة في الوجدان الانساني العالمي لو لم تقدم حركة التحرر الوطنية الفلسطينية الهوية الوطنية جزءاً لا يتجزأ من هوية الأمة الإنسانية قبل وأثناء مرحلة كفاحية حققت أهدافها، وما لم تتخذ من استقلالية القرار الوطني حصانة مانعة لشبهة التبعية، وما لم يقتنع العالم (شعوبا وحكومات وبرلمانات) بأخلاقيات النضال الفلسطيني، بتعامل قيادة الشعب الفلسطيني مع الحل السياسي وفقا لقرارات الشرعية الدولية بمصداقية والتزام مشهود وموثق، إيمانا بقداسة النفس الانسانية، وحتمية انتصار مبادئ الحرية والكرامة والعدل والمساواة واستقلال الشعوب وسيادتها.. فيا ليت ابو جهاد حي ليرى كيف انتصرت الفكرة وصارت لغة عالمية، وكيف صار شعار "الحرية لفلسطين" معيارا لقياس مستوى انحياز الضمير الانساني للحق والحرية والسلام.