لماذا لا تشتعل الضفة على شاشاتكم؟
مريم شومان

قد يبدو هذا المقال مجرد تفريغ لغضب يتراكم يومًا بعد يوم تحت وطأة ما نعيشه في الضفة الفلسطينية، وقد لا يجد صداه في أي مكان، لكن الكتابة هنا ليست ترفًا، بل محاولة أخيرة لالتقاط حقيقة تتسرب من بين أيدينا؛ هناك واقع يُمحى ببطء، ليس لأنه غير موجود، بل لأنه لا يُروى كما يجب.
في القرى الشرقية لمحافظة رام الله والبيرة، أبو فلاح، المغير، ترمسعيا، سنجل، كفرمالك، دير جرير وبقية القرى، وفي مسافر يطا جنوب الخليل، لا تدور الحياة كما تُعرض في نشرات الأخبار، هناك، لا تبدأ الأيام بصباحات عادية، بل بحسابات الخطر؛ هل ستمرّ الليلة بهدوء؟ هل ستبقى الأشجار في مكانها؟ هل سيظل المنزل قائمًا حتى الغد؟ هذه ليست مبالغات، بل تفاصيل يومية لواقع تُمارس فيه الهجمات الاستيطانية كجزء من روتين ثابت، تنفذه عصابات التلال، وتتحرك بثقة من يعرف أنه ليس وحيدًا، وأن هناك مظلة تحميه وتمنحه الوقت والمساحة ليفعل ما يشاء.
ما يحدث ليس فوضى عشوائية كما قد يُراد له أن يُفهم، بل هو سلوك منظم، يتكرر بنفس الأنماط: اقتحام، اعتداء، تخريب، حرق، قتل أو محاولات قتل، ثم انسحاب.. يعقبه صمت. وكأن هذه القرى خارج خريطة الاهتمام، أو كأن معاناتها أقل قابلية للعرض.
هنا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن القفز عنها؛ لماذا لا تحضر الضفة في المشهد الإعلامي كما يجب؟ لماذا يتم التعامل مع هذا النزيف اليومي كأنه هامشي أو اعتيادي؟ هل لأن الكاميرا تبحث عن اللحظة "الأكبر" فقط؟ أم لأن هناك رواية ضمنية تُبقي الضفة في صورة "المكان الهادئ نسبيا" الذي لا يستدعي الانتباه؟
الإعلام التقليدي في كثير من الأحيان، يلهث خلف الحدث الضخم، الصادم، القابل للاختزال في عنوان واحد، أما الضفة فهي قصة لا تنتهي في لقطة، بل تتشكل من تراكم مستمر لانتهاكات صغيرة في ظاهرها، عميقة في أثرها، لكن الخطورة هنا أن هذا النمط من التغطية لا يكتفي بالتقصير، بل يساهم في إعادة تشكيل الوعي: ما لا يُعرض باستمرار، يُفهم ضمنًا على أنه أقل أهمية.
أما الفضاء الرقمي، الذي كسر احتكار السردية في لحظات تاريخية قريبة، فيبدو مرتبكًا أو غائبًا.
أين الأصوات التي استطاعت أن تحشد العالم في قضايا أخرى؟ لماذا لا نجد ذات الزخم عندما يتعلق الأمر بالضفة؟ لماذا لا تتحول الهجمات اليومية إلى مادة رقمية متراكمة قادرة على فرض نفسها على الخوارزميات وعلى الرأي العام العالمي؟
قد يُقال إن الضفة لا تقدم "محتوى قابلًا للانتشار" لكن هذا بحد ذاته إشكال في طريقة التفكير، لا في الواقع، لأن الحقيقة لا تُقاس بمدى قابليتها للانتشار، بل بمدى الحاجة إلى إيصالها، وما يحدث في هذه القرى ليس أقل مأساوية، بل ربما أكثر تعقيدا لأنه يحدث ببطء، بعيدا عن الأضواء وبلا لحظة انفجار واحدة تجذب الانتباه.
لكن هل هذه قناعة حقيقية أم أنها نتيجة غياب المحاولة الجادة؟ هل جُرب فعلا بناء خطاب رقمي مستمر حول الضفة؟ هل تم الاستثمار في رواية طويلة النفس تتراكم فيها القصص والشهادات والصور؟ أم أننا نكتفي بردود فعل متقطعة تخفت بسرعة كما اشتعلت؟
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: لمصلحة من يتم ترسيخ صورة الضفة كمنطقة "أقل توتراً"؟ ماذا يعني أن تُهمّش هذه الجغرافيا إعلاميا، بينما تتغير ملامحها على الأرض كل يوم؟ وماذا يعني أن يعيش أهلها في حالة استنفار دائم، بينما يظهرون للعالم كأنهم يعيشون حياة عادية؟
هذا التناقض ليس بريئًا، ونتائجه ليست رمزية، لأنه حين يغيب الصوت يغيب الضغط، وحين يغيب الضغط يتمدد الواقع المفروض بلا مقاومة تُذكر على مستوى الوعي العالمي.
لا يكفي أن نصف المشهد، ولا أن نكتفي بطرح الأسئلة، ما يلزم الآن هو كسر هذا الصمت المركب، وهذا لا يبدأ من المؤسسات الكبرى فقط، بل من كل مساحة يمكن أن تتحول إلى منبر، من كل حساب، من كل منصة، من كل صوت يملك القدرة على الوصول.
هذه ليست دعوة عابرة للنشر، بل نداء يتصل بجوهر الانتماء، أن تكون فلسطينيا اليوم لا يعني فقط أن تعرف ما يحدث، بل أن ترفض أن يبقى ما يحدث بلا رواية، أن تدرك أن كل مساحة صمت هي مساحة تُمنح لرواية أخرى لتتمدد، وأن تفهم أن الضفة ليست هامشًا، بل قلب حكاية تُعاد صياغتها كل يوم.
إلى كل من يملك نافذة على هذا العالم: ليست القضية أن تنشروا أكثر، بل أن تنشروا بوعي، باستمرارية، بإصرار لا يخضع لإيقاع القضايا الرائجة، إلى المؤثرين والنشطاء ورواد المنصات الاجتماعية، خصصوا مساحة ثابتة، واضحة، لا تذوب مع الأيام لرواية ما يجري، اجعلوا من القرى التي تُهاجَم أسماء مألوفة، ومن وجوه أهلها قصصا لا تُنسى، لا تتركوا الضفة وحدها في معركتها مع النسيان.
قد يبدو الأمر كأنه في صراخ في آذان صمّاء، لكن التاريخ لم يُكتب يومًا بالصمت، ولا تغيّر الواقع حين قرر أصحابهم أن ينتظروا من يتكلم عنهم.
فالصوت، مهما بدا ضعيفًا يظل البداية الممكنة.