عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 18 نيسان 2026

تطور الحراك الديمقراطي في انتخابات الهيئات المحلية لعام 2026.. مقاربة عبر نسب المشاركة وقوائم التزكية

د. رمزي عودة

تشكل انتخابات الهيئات المحلية لعام 2026 محطة رئيسية في مسار الحراك الديمقراطي الفلسطيني، إذ تجاوزت كونها إجراءً دورياً لانتخاب ممثلين محليين، لتصبح اختباراً فعلياً لقدرة النظام السياسي والمجتمعي على إنتاج عملية ديمقراطية فاعلة في ظل الاحتلال والانقسام السياسي. ويمكن فهم هذا الحراك من خلال تحليل نسب المشاركة، وبنية القوائم الانتخابية، وظاهرة التزكية، ضمن سياق سياسي واجتماعي مركّب.
على صعيد المشاركة، أظهرت بيانات التسجيل الانتخابي مؤشرات إيجابية تمثلت في إقبال واسع على تحديث السجل الانتخابي، ودخول أعداد كبيرة من الناخبين الجدد، ما يعكس تنامياً في الوعي والاستعداد للمشاركة الواسعة. غير أن هذه المؤشرات لا تكفي للحكم على حيوية العملية الديمقراطية، إذ تبقى نسبة الاقتراع الفعلية يوم الانتخاب العامل الحاسم، التي تتأثر بطبيعة التنافس ومدى شعور الناخب بجدوى صوته، خاصة في المناطق التي تُحسم فيها النتائج بالتزكية أو التوافقات المسبقة. ومع ذلك، فإن انتشار وتوسع المشاركة في الحملات الانتخابية لمختلف القوائم بما فيها قوائم التزكية يعكس رغبةً واسعة من الجمهور والأحزاب بالمشاركة وإنجاح التجربة واستقرارها في أجواء واسعة من حرية الرأي والتعبير. 
أما على مستوى القوائم، فقد شهدت الانتخابات تراجعاً في القوائم الحزبية المعلنة مقابل صعود القوائم "المستقلة" شكلياً، وهو تحول لا يعني بالضرورة تراجع دور الأحزاب، بل يعكس إعادة تموضع تدخلاتها داخل المشهد المحلي. إذ فضّلت قوى سياسية عديدة العمل من خلال قوائم توافقية أو غير معلنة، لتقليل حدة الاستقطاب أو تجنب الانقسامات الداخلية. كما أن ضعف تمثيل القوائم الحزبية يرتبط بطبيعة الهيئات المحلية بوصفها مجالس خدماتية أساساً، يُفترض أن تبتعد عن الأجندات السياسية المباشرة. 
وفي النتيجة، فان تدني مشاركة الاحزاب يعكس أولا: توافقا حزبيا على ان انتخابات الهيئات المحلية هي مجالس خدماتية بالأساس ويجب ان تبتعد عن الأجندات الحزبية حتى تنجح أساساً في أداء خدماتها للجمهور، وهذا المفهوم كان واضحاً في عدم تبني حركة فتح كبرى الفصائل الوطنية والعمود الفقري للحركه الوطنية والنظام السياسي هذا النهج التنظيمي في تشكيل القوائم  في الانتخابات السابقة والحالية. ثانياً: إنه يعكس طبيعة وبنية النظام السياسي- الاجتماعي الفلسطيني حيث تسيطر العشائر والعائلات على مراكز صنع القرار في القرى والبلدات الصغيرة. وبالضرورة، فإن الأحزاب السياسية وبالذات حركة فتح لا يعني غيابها عن تشكيل قوائم حزبية تراجع دورها عن المشهد السياسي في هذه البلديات، فهي في العادة ساهمت بفعالية في تشكيل هذه القوائم ذات الطابع الوطني- الخدماتي. ثالثا: غياب الاحزاب عن تشكيل قوائم تنظيمية يعكس ارادة هذه الاحزاب بمواجهة توجهات الاحتلال للنيل من هذه القوائم، وهذا ما جرى فعلا في عدة بلديات مثل بلدية بيت جالا، حيث استهدفت قوات الاحتلال قائمة حركة فتح وصادرت مقتنياتها ولافتاتها الاعلامية.
وتُعد ظاهرة التزكية من أبرز سمات هذه الانتخابات، حيث تعكس شكلاً من أشكال التوافق الاجتماعي والسياسي، لا مجرد غياب التنافس. فعلى خلاف بعض التصورات، لا تشير التزكية بالضرورة إلى ضعف الديمقراطية، بل يمكن فهمها ضمن إطار "الديمقراطية التوافقية"، التي تقوم على إشراك مختلف القوى والفئات في إدارة الشأن العام. وغالباً ما تسهم هذه التوافقات في تقليل الصراعات المحلية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في المجتمعات الصغيرة.
بناءً على السابق، ربما يمكننا الوصول الى نتيجة مهمة، وهي أن النظام الانتخابي الجديد (نظام القائمة المفتوحة)، إضافةً الى اشتراط الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية لم يؤديا -على عكس ما توقعه البعض- إلى انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات او زيادة قوائم التزكية، بل المتوقع ارتفاع نسب المشاركة في هذه الانتخابات لا سيما بعد زيادة الكوتا النسوية، كما ان قوائم التزكية لم تسجل ارتفاعا ملحوظا كما توقعه البعض فهي حافظت على نسب معقولة وسابقة في بنية الحراك الانتخابي على مر التجارب السابقة تراوحت بين 55% الى 60% من مجمل القوائم المتنافسة. 
وأخيراً، فانه من السابق لأوانه تحديد مدى نجاعة التجربة الانتخابية الحالية للهيئات المحلية، فهي تعتمد على كثير من المدخلات، من أهمها قدرة القوائم على خوض التجربة الانتخابية، وفهم النظام الانتخابي الجديد، واستغلاله لصالح الفوز بأكبر نسبة من المقاعد، كما ان هذه التجربة تعتمد أيضاً على درجة استقرار المجالس البلدية وقدرتها على توفير الخدمات للمواطنين.