أقلام عربية- استراتيجية الفخ.. كيف رُسم "الموت السريري" لسيادة هرمز في غرف إسلام أباد؟
د. طه اللهيبي *

ما شهدناه في مفاوضات اسلام أباد لم يكن دبلوماسية تقليدية، بل كان عملية "تنويم مغناطيسي" عسكري مغلف ببروتوكول سياسي فائق الدقة. إن استخدام الوفد الإيراني الضخم المكون من 70 مسؤولاً بمن فيهم أركان الحكومة الجديدة كـ "رهينة دبلوماسية" غير معلنة في قلب إسلام أباد، يمثل قمة الدهاء في إدارة الصراعات المعاصرة.
إليكم تفكيك هذه العملية الاستراتيجية الكبرى التي أعادت رسم خارطة النفوذ في المنطقة بينما كان العالم ينظر إلى "عدسات الكاميرات" في باكستان.
الهدنة: "الستار" الذي حجب زئير المحركات
بينما انشغل المحللون بتفكيك لغة الجسد في "الغرف المغلقة" بباكستان، كانت البحرية الأميركية والتحالف الدولي (تحالف الـ 30) يستغلون هدوء "الهدنة" للقيام بالعمل الميداني الأصعب. لقد كانت الهدنة هي "المخدر" الموضعي الذي سمح بالآتي:
1 - تطهير الألغام: عملت كاسحات الألغام والدرونات المائية المتطورة بحرية تامة في عمق المضيق، بعيداً عن "تحرشات" الزوارق السريعة الإيرانية التي لزمت قواعدها التزاماً بالتهدئة السياسية.
2 - التموضع النهائي: اتخذت المدمرات الأميركية مواقعها القتالية النهائية داخل الممرات الحاكمة للمضيق، في وقت كان فيه "قاليباف" يغرق في تفاصيل بروتوكولات الاستقبال الرسمية.
الوفد كـ "صمام أمان" (الرهينة الذهبية)
كان وجود النخبة السياسية والعسكرية الإيرانية خارج حدودها، وتحت رحمة الأجواء التي يسيطر عليها الطيران الأميركي، بمثابة شلل كامل ليد "الحرس الثوري" في الداخل.
3- شلل الرد: أي محاولة إيرانية للتحرك ميدانياً ضد السفن العابرة كانت ستعني ببساطة "إغلاق الأجواء" ومنع عودة الوفد، مما يضع الدولة الإيرانية في حالة "يتم قيادي" مفاجئ.
4- عزل الرأس عن الجسد: نجحت استراتيجية ترامب في فصل "عقل النظام" الموجود في الخارج عن "أدواته العسكرية" في الداخل، مما خلق ارتباكاً في تراتبية اتخاذ القرار وفقدان المبادرة الاستراتيجية.
"الممر الآمن" كأمر واقع (Fait Accompli)
يكمن الذكاء الخارق في هذه الخطة في أن واشنطن لم تطلب "إذناً" لفتح المضيق، بل صنعته كواقع لا يمكن التراجع عنه.
لقد أُعلن عن "فشل المفاوضات الدبلوماسية" فقط بعد أن أتمت البحرية تأمين الممر ملاحياً وعسكرياً.
عندما تستعد طائرة الوفد للإقلاع من مطار إسلام أباد للعودة إلى طهران، سيكتشف القادة أن "ورقة المقايضة" (إغلاق المضيق) قد سُحبت من جيوبهم خلف الكواليس، ولم تعد ملكاً لهم للمساومة بها فوق طاولة المفاوضات.
النتيجة: "كش ملك" في رقعة الشطرنج الإقليمية
تحول المأزق الذي كان يواجهه البيت الأبيض بخصوص أسعار الطاقة وهيبة القوة إلى انتصار استراتيجي خاطف:
- على الصعيد الأميركي: تخلص ترامب من ضغط أسعار النفط، وأعاد هيبة الردع دون الانزلاق إلى "حرب استنزاف" مكلفة، مؤمناً الملاحة الدولية بضربة واحدة.
- على الصعيد الإيراني: خسرت طهران "ورقة المضيق" الاستراتيجية، وفقدت "ماء الوجه" بجلوسها مع "فانس" دون تحقيق مكاسب، لتجد نفسها الآن في مواجهة خطر القصف المتجدد وهي في أضعف حالاتها السياسية والميدانية المشهد الميداني الآن:
1 - في المضيق: السفن الحربية تفرض "قانون الممر الآمن" كواقع جيوسياسي جديد.
2 - في الجو: طائرة الوفد تعود لواقع عسكري "مهزوم" قبل أن تبدأ الحرب الفعلية.
3- في الأسواق: المتداولون يجهزون أوامر "البيع" لافتتاح الإثنين (أمس)، مع توقعات بانهيار أسعار "برنت" إلى ما دون 92 دولاراً، بعد تفكيك "عقدة هرمز".
الخلاصة: لقد كان إخراجاً سينمائياً بامتياز؛ أُعطيت إيران "سجادة حمراء" في إسلام أباد لتسير عليها بمراسم العظمة، بينما كان يُسحب من تحتها "بساط السيادة" في مياه هرمز.
--------------
*محلل للشؤون الاستراتيجية
مواضيع ذات صلة