انقلاب ديمقراطي مجري
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

هزيمة مدوية لحزب "فديس"، لم تكن متوقعة حتى عشية الانتخابات المجرية التي جرت أمس الأول الأحد 12 نيسان / أبريل الحالي، وبدا كأن فيكتور أوربان الذي حكم 16 عاما باق للأبد، لكن لعبة التاريخ لا حدود لها، وانقلاباتها الدراماتيكية ملهمة للإنسان في أصقاع الأرض، حيث تؤكد حركة التاريخ أن لا ثابت في هذا الكون إلا رب الكون، وما جرى في المجر / هنغاريا الأوروبية، يؤكد المقولة الفلسفية القائلة "الحركة مطلقة، والسكون نسبي"، نعم أسدل الستار على حقبة اليميني القومي أوربان الحاكم المطلق طيلة الـ 16 عاما الماضية، بعد فوز حزب "تيسا" بزعامة الشاب بيتر ماغيار (45 عاما) فوزا ساحقا، إذ حصد 138 مقعدا من أصل 199 مقعدا في البرلمان المجري، متجاوزا نسبة الثلثين التي تمنحه سيطرة شبه كاملة على السلطة التشريعية، ما يمنحه مساحة واسعة لتشكيل حكومة وفق معاييره ورؤيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والإعلامية والثقافية عموما. لا سيما أن أوربان تمكن من 2010 حتى أمس الأول من أبريل 2026، من تشكيل السلطات التنفيذية والقضائية والإعلامية والمجتمع عموما على مقاسه الخاص، ووفق أجندته الفكرية السياسية، ما مكنه من الإمساك بقرون النظام السياسي لأكثر من عقد ونصف العقد، حتى باتت فرضية سقوطه وهزيمته في علم الغيب.
لكن سخط الجماهير المجرية من حكم رجل اليمين القوي، ورفضها لتداعيات حكمه السلبية، وامتداد السخط والغضب لخارج المجر، إذ طال أوروبا عموما، ما دفع الجماهير المجرية للنزول إلى الشوارع وصناديق الانتخابات كشلال هادر بنسبة بلغت نحو 75% من مجموع الناخبين، وقلبت الطاولة على رأس أوربان وحزبه "فديس"، وأحدثت التحول الديمقراطي الزلزالي، وقالت بصوت عال من خلال أوراق الاقتراع "لا لأوربان وحزبه"، ونزعت من مقاعده البرلمانية نحو 80 مقعدا، التي حصدها حزبه في الانتخابات السابقة، حيث لم يحصل في الانتخابات أمس الأول سوى على 55 مقعدا، ولحزب اليمين المتطرف "وطننا" 6 مقاعد.
وعزا محللون اقتصاديون أسباب هزيمة أوربان، وفقدانه لشعبيته الممتدة لـ 16 عاما، إلى حالة الركود الاقتصادي التي أصابت البلاد، ونجم عنها ارتفاع في أسعار السلع الأساسية، ومضاعفة تكاليف المعيشة، فضلا عن زيادة ثروات رجال الأعمال المقربين من السلطة التنفيذية، وأيضا زيادة واتساع دائرة الرشوة والمحسوبية، في الوقت الذي واجه فيه المواطن العادي ضغوطا مالية واقتصادية، دفعت قطاعات واسعة من الطبقات والشرائح الاجتماعية المتوسطة والفقيرة إلى الانفضاض عن أوربان وحزبه ومن يواليه.
واستشعارا من رجل المجر القوي السابق من التحول في المزاج الشعبي العام، سعى خلال الحملة الانتخابية إلى حرف بوصلة الشارع المجري، عندما ادعى أن الاقتراع ينحصر بين "الحرب والسلم"، متهما المعارضة بخطف البلاد، وجرها نحو الحرب والصراع في أوكرانيا، لكن الضرب على وتر الحرب، لم يجدِ نفعا، وكان السيف قد سبق العذل، واختار الناخب موقعه في صفوف المقترعين الرافضين حكم حزب "فديس"، وحكم على أوربان وحزبه بالخروج من دائرة الحكم.
ولم يكن فوز حزب "تيسا" وزعيمه ماغيار، مجرد تغيير حكومي، ولا سقوط حزب، وصعود حزب آخر، إنما هو تحول استراتيجي داخل المجر وفي نطاق الاتحاد الأوروبي، وعلى المستوى العالمي، ولهذا اعتبر الحدث بمثابة زلزال وانقلاب دراماتيكي، ليس في المجر، إنما في أوروبا والعالم، ومع ذلك تواجه الزعيم الجديد تحديات كبيرة قائمة وماثلة للعيان أمامه، لأن أوربان تمكن من إعادة تشكيل وهيكلة النظام السياسي بما يتوافق مع رؤيته، وشكل المؤسسات القانونية والقضائية والإعلامية والاقتصادية بما يخدم توجهاته وقناعاته، وبالتالي كي يحافظ زعيم "تيسا" على مكانة حزبه ودوره الإصلاحي، يتطلب منه معالجة وإصلاح مركبات النظام كلها، ولكن بذات الطريقة الديمقراطية التي تخدم عملية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من خلال إعادة فك وتركيب المؤسسات الإعلامية والقانونية، التي هندسها رئيس الوزراء السابق.
ومن المؤكد أن انتصار حزب "تيسا" سيساهم في فتح الأبواب الأوروبية المغلقة، ويفرج عن مليارات اليوروهات المجمدة المخصصة للمجر، التي جمدها الاتحاد نتاج المخاوف من سياسات أوربان، وتعثر الديمقراطية، ما يمنح ماغيار قدرة أعلى على تعزيز الاستقرار في هنغاريا، رغم أن الزعيم المجري الجديد في حملته الانتخابية، أكد أنه لن ينجر إلى متاهة الحرب الأوكرانية، وضد إرسال الأسلحة لأوكرانيا. لكن نجاحه أزال عقبة كأداء من مؤسسة الاتحاد الأوروبي، وأزاح ورما هدد استقراره، وسيسهل عمل بروكسل في الميادين المختلفة.
ونقطة في غاية الأهمية تجدر الإشارة لها، أن هزيمة أوربان، كانت هزيمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اللذين فقدا حليفا مركزيا في أوروبا، ومن الصعب تعويضه في المدى المنظور، وكان زعماء أوروبا مانويل ماكرون والمستشار الألماني بريتس ورئيس وزراء بريطانيا ستارمر، بالإضافة لزعامة الاتحاد الأوروبي، جميعهم رحبوا بفوز ماغيار وحزبه، واعتبروه نصرا لأوروبا وأعتقد أنه أيضا قد يكون نصرا لفلسطين ونضالها التحرري.
oalghoul@gmail.com
مواضيع ذات صلة