عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 نيسان 2026

حسن أحمديان: النجم الذي وُلد من الشاشة.. ظاهرة أم فُقاعة إعلامية

مريم شومان

ليس من السهل تجاهل هذا الاسم، خلال أيام قليلة فقط تحوّل حسن أحمديان من ضيف يظهر في سياق سياسي عادي إلى ظاهرة رقمية تتكرر على الشاشات وتُعاد صياغتها مئات المرات على المنصات الاجتماعية، لكن السؤال الحقيقي ليس: من هو أحمديان، بل: كيف صُنعت هذه الظاهرة؟ ولماذا تفاعل معها الجمهور بهذا الشكل الكثيف؟

ما نراه في السطح يبدو بسيطًا: محلل يتحدث بثقة، لغة عربية متماسكة، هدوء  ظاهر، وقدرة على إدارة النقاش دون انفعال، هذه العناصر كافية في بيئة إعلامية مضطربة، لصناعة انطباع أولي قوي، لكن هذا الانطباع ليس بريئًا كما يبدو، إنه المدخل الأول لعملية أعمق بكثير وهي إعادة تشكيل الإدراك الجماعي عبر "هندسة وعي الجمهور".

على مستوى آخر، نحن لا نتعامل مع حضور فردي فقط، بل نموذج يتم تقديمه ضمن سياق إعلامي محسوب بدقة، اختيار الشخصيات، طبيعة الأسئلة، إيقاع الحوار وحتى لحظات الصدام، هذه كلها عناصر تُبنى بطريقة تخلق حالة من التوتر الجاذب، هذا التوتر هو الوقود الحقيقي للانتشار، فالمتلقي لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن تجربة شعورية؛ من يبدو أكثر، من أقنع أكثر، ومن ربح النقاش.

لكن النقلة الحاسمة لا تحدث في الأستوديو؛ بل بعده.

هنا تدخل المنصات الاجتماعية كفاعل رئيسي لا مجرد ناقل، ما يُقتطع من الحوار ليس التحليل الأكثر دقة، بل اللحظة الأكثر قابلية للانتشار: رد واثق، ابتسامة باردة، أو حتى صمت محسوب، تُضاف لها عوامل مرتبطة بالمظهر الخارجي: كاريزما لافتة، ومظهر منسجم مع صورة "النجم المثالي" الذي يسهل تسويقه والتعلّق به، هذه العناصر حين تلتقي مع منطق الخوارزميات تتحول إلى أداة فعّالة لإعادة ترتيب أولويات الجمهور، بحيث يتقدم الشكل على المضمون، والانبهار على التدقيق، والرمز على القضية.

وهكذا، يتم تضخيم النموذج نفسه مرارًا، حتى يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة المتاحة.

هنا، يتشكل ما يمكن تسميته "الأسطورة الرقمية"، إذ لم يعد أحمديان مجرد محلل، بل أصبح رمزًا، رمزًا للهدوء مقابل الانفعال، للحجة مقابل الضجيج، بل وحتى – في بعض الخطابات- للتفوق المعرفي، كما يُظهر البعد الأكثر تعقيدًا في الظاهرة: البعد النفسي.

جزء كبير من هذا الانبهار لا يرتبط بأحمديان بقدر ما يرتبط بالجمهور نفسه، هناك ميل واضح لدى بعض المستخدمين لمقارنة هذا النموذج بضعف مفترض في النماذج العربية، هذه المقارنة لا تنشأ من فراغ، لكنها أيضا ليست دقيقة بالكامل، والمشكلة ليست بالضرورة في غياب الكفاءات، بل في غياب المساحات التي تُظهرها، أو في فشل هذه الكفاءات في التكيّف مع منطق المنصات الذي يكافئ الأداء أكثر ما يكافئ العمق.

وهنا يتحول الانبهار إلى ما يشبه جلد الذات الجماعي: كيف يتحدث "الآخر" بهذه الثقة، بينما يبدو الـ "نحن" أقل حضورًا؟ هذا السؤال يغفل حقيقة مهمة: ما نراه ليس الواقع، بل النسخة التي سمحت الخوارزميات بانتشارها.

الأكثر إشكالية من كل ذلك، أن هذا التركيز المكثف على "الشخص" يأتي على حساب "القضية"، فبينما يتصدر اسم أحمديان النقاشات، تتراجع قضايا أكثر إلحاحًا وخطورة إلى الهامش؛ في غزة، واقع إنساني يزداد تعقيدا، في لبنان، قصص نزوح وألم يتكرر بصمت، في الضفة الغربية انتهاكات يومية لا تجد طريقها إلى التفاعل ذاته، المسجد الأقصى يُغلق لأيام طويلة، قوانين خطيرة تُقر، وأسرى يواجهون مصيرا غامضا، لكن كل ذلك لا يتحول إلى "ترند".

هنا تكمن المفارقة القاسية؛ المنصات التي كان يُفترض أن تكون مساحة لرفع الصوت بالقضايا العادلة، أصبحت – في أوقات كثيرة – مساحة لصناعة نجوم اللحظة، تتحول المعركة من واقع سياسي وإنساني معقد إلى منافسة رمزية: من كان أكثر إقناعًا، من ردّ بشكل أفضل، ومن أسكت الآخر.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم ظاهرة أحمديان بمعزل عن البيئة التي أنتجتها وروّجت لها. قد يكون الرجل يمتلك أدوات حقيقية من لغة وحضور ومعرفة، وهذا احتمال وارد، وقد يكون أيضا نتاج إعداد مؤسسي واعٍ بكيفية صناعة التأثير، لكن في كلتا الحالتين ما يحدث حوله يتجاوز شخصه بكثير.

نحن اليوم أمام نموذج مكتمل لآلية حديثة: إعلام يصنع اللحظة، ومنصات تضخمها، وجمهور يعيد إنتاجها، وخوارزميات تثبّتها كحقيقة. أما النتيجة، فهي وعي جمعي يُعاد تشكيله تدريجيًا، حيث تتقدم الرموز على الوقائع ويعلو الصوت الأكثر جاذبية على القضية الأكثر استحقاقًا، وهنا تكمن الخطورة.

ربما المشكلة ليست في وجود "نجم جديد"، فهذه ليست أول مرة تُصنع فيها "أسطورة إعلامية"، ولن تكون الأخيرة، بل في استعدادنا الدائم لتصديق أن النجومية بحد ذاتها إنجاز، والفارق أنّ أدوات الصناعة لم تعد حكرًا على الشاشة، بل أصبحت موزعة في أيدي ملايين المستخدمين ممن يشاركون – بوعي أو بدونه – في إعادة تشكيل أولويات النقاش العام.