ماء القلب!
تغريدة الصباح- حسن حميد

يا إلهي،
ما أعز الأرض، وما أوفى كرامتها، وما أكثر أسرارها، وما أجمل معانيها، وعطاياها، وما أسعد أهلها بها، وما أشقاهم بها حين يتركونها مرغمين، حين تصير البيوت، والحكايات، والمرويات، والميثولوجيا، والأساطير بعضاً من طيوفها وبواعث التعلق بها، والحنين إليها.
لقد وعى أهل فلسطين، وهم الذين عرفوا معاني الاجتماع في القرى، والزراعة والعلوم في الحقول والمدارس، والهناءة قرب الينابيع وضفاف الأنهار والبحيرات، وحواف الغدران، مثلهم، في الحضور والمهابة، مثل أهل النيل، والفراتين، والبحار، أن الأرض هي العرض! أي الشرف والكرامة والكبرياء، والوطن؛ فصرخة الولادة الأولى هي فوقها، وأنفاس الهواء الأولى هي في فضائها، وجولان العقول والأقدام والأحلام فيها، والمنتهى كله إليها! لكن، ولأن فلسطين بلاد قداسة، وخصب، وحياة، في الحرث، والصنائع، والقراءات، والتدوين، والغنى، والرباط، والتلقي من السماء (الموائد، والشرائع، والغيث)، وما يصعد منها من أدعية ورجاءات.. كانت أرضاً مهدوفة بالتوحش والظلموت اللذين طالاها من كل محيطها بالأذيات الرجيمة، فدمرت قراها، وخربت بيوتها وحقولها، وقطعت طرقها، وغاب أمنها، وانطوى سلامها، وتوارى جمالها تترى مع توالي حقب الزمان وترادفها، ومع ذلك ظلت فيوض العمران، كالغيث، هواطل فوقها، وظلت أيدي الحذق تحرث، وتزرع، وتحصد، وتطحن، وتخبز، وتعصر، ثم.. تشكر! وظلت البحيرات وافرة الزرقة، كثيرة البهجة بأجمات القصب، والسمك، والرواء، والجمال، والبشر؛ وظلت الأنهار جاريات تمر بعتبات البيوت ومصاطبها لتحرسها ليلاً بخريرها الأنيس، وتباكرها بقولات صباح الخير والنعم عند جهجهة الضوء؛ وظلت الحقول آية الله وفعله الأتم على الأرض.. قمحاً، وورداً، ونعناعاً، ورماناً، وأقراص عباد الشمس، ودحنوناً حمرته شارقة، وأشجار برتقال، وموز، وسدر، وجميز، وخروب؛ وظلت ينابيعها، وسواقيها، وغدرانها راويات للناس والزروع والعشب والماشية، تمشي إليها الدروب الناحلات وقد حفت بها الأعشاب، وأشجار الصفصاف والزيزفون، وأغاني الصبايا حاملات الجرار، صاحبات القلائد والأقراط والثياب الطويلة الهديلة والشعر المحنى والصدور العامرات بالأحلام والأسرار؛ وظلّت القرى تنادد القرى بجمال قناطرها وأقواسها وشرفاتها السابحات في الهواء الطروب، وبجمال أبوابها ونوافذها ودواليها وأزهارها النادهات؛ وظلت طيورها القادمات، سعداً وبشائر، بعضها يردف بعضها الآخر، ويلحق به طلباً لدفء (أريحا) و(طبريا)، وفضاءات (بئر السبع)، وظل الحمام في ذهاب وإياب وجولان، إلى دنيا الطمأنينة في القدس، ليحط قرب نوافذها، وفوق مآذنها وقبابها، ويدرج في عتباتها وساحاتها الملأى بالناس والأمنيات، وظلت القناديل شواعل تضيء رحابة المكان، مثلما ظلت الشموع تتبارى بأنوارها الساهرات، وظل الكلام رديف الكلام، وظلت الكتب تطاول الكتب، وظلت الأقلام شواهد الرؤى، عطشى لتروي لنا ما كان، وظلت الأخبار سطوراً راهجة مكتوبة في ورق حفظته الجرار.
..ألكل هذا، يا خالقي!
استشهد الجميلون، صغاراً، وكباراً، في عرابة، وسخنين، وأم الفحم.. في عام 1976، أولهذا وعى هؤلاء الشبان الشجعان، وهم في طراوة العمر، أنّ الدنيا هي الأرض، وأن الحياة لا اعتبار لها من دون الأرض، وأنّ جذور الكتب والتواريخ نابتة طالعة من الأرض! وأنّ الحب بلا الأرض هو أنفاس محمومة حائرة حائمة، وأنّ المباهاة العزيزة هي المباهاة بالأرض التي تليق بها صفة المعمورة.
ها.. إنني أسأل ما الذي جعل (أوديسيوس) البطل الخارق الذي هزم طروادة، وصاحب فكرة حصان طروادة، يبحر تعباً وحيرة وعماء عشر سنوات في البحار، ويتوه عشر سنوات توهة الألم، ويضيع الطريق البحري الذي يوصله إلى بلاده (إيثاكا) عشر سنوات، وتحف به المخاطر المهولة، واحدة تتلوها واحدة، طوال عشر سنوات، وتلفه مهابة السحر فتعمي عليه كل شيء، وتسد عليه كل منفذ عشر سنوات، وتطاله الكواره بكل شرورها عشر سنوات، ويرفض مغريات الدنيا كلها من أملاك وأطيان وأموال ونساء وجاه طوال عشر سنوات؟ وللإجابة أقول: كل ذلك.. كان بسبب الأرض ولأجلها، لأن الأرض هي البيت، والزوجة، والابن، والسكن، والطمأنينة التي لا تماثلها طمأنينة في الدنيا، وهي الكتاب الذي لا يعدله كتاب، حتى لو كانت أحباره ماء الذهب! ولأن الأرض العزيزة، هي الوطن!
وأسأل: لماذا مضى الزمن الطويل من عمرنا، بكليته وتمامه، وأهلنا، أهل فلسطين يستشهدون يومياً، ويجرحون يومياً، ويسجنون ويعتقلون يومياً، ويهجرون ويشردون يومياً، ويبكون يومياً، ويتفقدون أحلامهم يومياً. .أليس هذا من أجل الأرض؟ ولماذا رموا، وازوروا عن كل مغريات الدنيا واموالها، وتخطوا أشراكها وأفخاخها بذكاء عجيب، وفطنة عالية.. أليس هذا من أجل الأرض؟ ولماذا في زمن الرفاهيات والتغني بأن الحياة هي السعادة، يعيش الفلسطينيون في خيام من رقع الثياب والقماش والخيش والنايلون.. وهي لا تستر، ولا تقي، ولا تصلح لأن تكون بيوتاً؟ أليس هذا.. لأنهم فوق أرضهم، ويعدّون ذلك نعمة وافية! ولماذا هم يرفضون الاقتناع بغياب الأجداد والآباء، والأحفاد، والأخوة والأمهات، رغم استشهادهم؟ أليس هذا.. لأنهم مقتنعون بأن الأرض، أرضهم، ستجدد حياتهم؟! ولماذا تبكي الأمهات الفلسطينيات صاحبات الثياب السود، منذ قرن حرون وأزيد، أكثر وأكثر في المقابر، وهن في حطيط حزين مثل طيور هاجعة قرب قبور أبنائهن، حين يرين الزهور البرية طالعة من تراب القبور؟ أليس هذا .. لاعتقادهن بأن حياة من هم تحت التراب رائقة هانئة.. يلفها الرضا، وينتظرون الأخبار الطالعة؟!
وأسأل لماذا قلنا عن رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس) هي رواية المكان، ورواية الأرض، وأن من لا يمشي في الطريق الواضح الممتلئ بالضوء نحو الأرض الفلسطينية، مآله الضلال والموت مرذولاً في مكان غريب أسماه غسان كنفاني (بالمزبلة)؟ ولماذا كتب جبرا إبراهيم جبرا روايته (البحث عن وليد مسعود) أليس ذلك من أجل انتقاد حمولة الماضي، وتجديد الحاضر بعزم جديد، وطي صفحة البكاء واليأس والندم، وضرورة شق طريق صفته الأولى الاستقامة مشيا نحو الأرض الفلسطينية؟ ولماذا كتب توفيق فياض روايته (وادي الحوارث) أليس من أجل فضح القوة الإسرائيلية الباطشة التي احتلت الأرض وهجرت أهلها؟ ولماذا كتب رشاد أبو شاور حياة المشردين الفلسطينيين في مخيمات (عقبة جبر) و (النويعمة)، و(الدهيشة)، و(تل السلطان)، في روايته (العشاق)، وهم لا يحلمون إلا بقراهم ومدنهم التي طردوا وهجّروا وشرّدوا منها، وينادون بيوتهم، وشهداءهم، وقبور أجدادهم وآبائهم وأبنائهم، وحقولهم، وحوانيتهم، وأشجار زيتونهم، وبرتقالهم.. أليس هذا لأن الأرض تعيش في عقولهم، وتركض في دمهم؟ ولماذا استغاث راشد حسين بالسماء قائلاً: أنا الأرض، لا تحرميني المطر؟ ولماذا آخى عز الدين المناصرة دوالي الخليل، ورجاها، ألا تثمر، كي لا يذوق الأعداء طعوم أرضنا.. السكر؟ ولماذا (باجس أبو عطوان)، في مسرحية معين بسيسو التي أخذت اسمه عنواناً لها، روّى الأرض بدمه، قبل أن يلفظ أنفاسه كلها؟ أليس هذا.. لشعوره بأن الأرض عطشى. . لماء القلب؟!
بلى، قلوبنا علوق بالأرض، لأن الأرض هي الحياة وبهجتها.
Hasanhamid5656@gmail.com