ملاحظات على موقف الديمقراطية من الدستور
نبض الحياة - عمر حلمي الغول

رغم أن الدكتور محمد قاسم رئيس لجنة إعداد مشروع الدستور المؤقت، أعلن أمس الجمعة 10 نيسان / أبريل الحالي، عن انتهاء مهلة الـ 60 يوما لتسجيل الملاحظات على مشروع الدستور المؤقت، إلا أني بعدما اطلعت أمس الأول الخميس مساء على موقف الرفاق في الجبهة الديمقراطية، المنشور في 5 أبريل الحالي، رأيت من الواجب الرد عليها، تعزيزا وإغناءً للحوار بشأن هذا الملف الساخن والهام، دون أن يفسد الخلاف للود قضية، وتعميقا للحوار بين وجهات النظر المتباينة على أساس الاحترام المتبادل.
جاء في الفقرة الثانية من وجهة نظر اللجنة القانونية في الديمقراطية الآتي: "وفي غياب إمكانية ممارسة السيادة، بفعل واقع الاحتلال، يصبح الحديث عن "دستور" مجرد ترف نظري يساهم في صرف الأنظار عن الحاجة إلى استراتيجية وطنية موحدة لمقاومة الاحتلال حتى تتم إزالته". والسؤال الذي يطرح نفسه على قيادة الجبهة، كيف، ولماذا تطرح المسألة هكذا؟ وهل طرح الدستور المؤقت يتناقض مع ضرورة العمل على وضع استراتيجية وطنية لمقاومة الاحتلال؟ ولماذا يعتقد الرفاق في الديمقراطية أن الدستور "مجرد ترف نظري"، وخارج نطاق الاستراتيجية الوطنية؟ أليس الدستور جزءا من الاستراتيجية الوطنية، وتعزيزا لمكانة الدولة الفلسطينية المحتلة، وتعميقا لترسيخها، وفتح الباب أمام توسيع دائرة الاعترافات الدولية بها؟
وفي الفقرة الثالثة تطرح الورقة "إن الدستور، في أية دولة، هو منبع الشرعية القانونية، واعتماده في وضع "الدولة تحت الاحتلال" هو شرعنة لواقع غير شرعي،" وتتابع "إن وضع "الدولة تحت الاحتلال" هو وضع شاذ وغير طبيعي لا يمكن حل تناقضاته إلا بإزالة الاحتلال، وأي محاولة لترسيمه بدستور هي محاولة لتطبيعه وتشجيع على التعايش مع واقع الاحتلال بدل مقاومته." للأسف الشديد سقط الرفاق في تناقض عميق مع أهمية وجود الدستور، الذي يعتبر وجوده إسقاطا ونفيا لشرعية الاحتلال، وتعزيزا لشرعية الدولة، وترسيخها كواقع قائم لا يمكن تجاوزه، ورفضا لأي تعايش مع الاستعمار الإسرائيلي، وليس العكس، ولتصويب الوضع الشاذ القائم حاليا، تستدعي الضرورة وجود الدستور المؤقت.
وفي الفقرة الرابعة من ورقة الديمقراطية جاء " كذلك ينبغي الحذر من المقولة التي تدعي الحاجة إلى "دستور مؤقت" لتنظيم عملية الانتقال من السلطة إلى الدولة، إن "الانتقال من السلطة إلى الدولة" هو عملية كفاحية تهدف بالأساس إلى إنهاء الاحتلال. ومن قال إن الانتقال من السلطة إلى الدولة، وتطوير النظام الأساسي، الذي هو بمثابة دستور أولي، ليس جزءا من العملية الكفاحية. لماذا الفصل التعسفي بين العملية الكفاحية ووجود دستور مؤقت، يعزز مكانة الدولة القائمة تحت نير الاستعمار؟ ولماذا لا يتم تعزيز القرار الأممي 19/ 67 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، الذي اعترف بدولة فلسطين كدولة مراقب في هيئة الأمم المتحدة؟ وأليست الدولة بكل مكوناتها الأساسية: الشعب والأرض والمؤسسات الرسمية للسلطة قائمة وموجودة؟ أين هو التناقض في ذلك؟ وأليس وجود الدستور المؤقت عاملا هاما ومؤكدا لتصفية الالتباس والغموض الذي شاب اتفاقية أوسلو 1993، الذي حمل في طياته تشوها لحقيقة أرض الدولة الفلسطينية كأرض محتلة، واعتبرتها الاتفاقية "أرضا متنازعا عليها"، وليست أرض الدولة الفلسطينية، والتي حسمها القرار الأممي آنف الذكر؟
وفي الفقرة السادسة من مذكرة الديمقراطية جاء "وأن الأولوية، في هذه الحالة، تكمن في توحيد شعبنا في إطار م. ت. ف لمواصلة النضال من أجل الخلاص من الاحتلال ..." مجددا أعود لجادة السؤال: هل يتناقض وجودنا ونضالنا من أجل توحيد الشعب تحت راية المنظمة مع وجود دستور للدولة؟ وهل وجود الدستور يتناقض مع أشكال النضال الوطني والدفاع عن مكانة الدولة؟ أليس النضال الوطني من البداية إلى النهاية حتى التحرير يستهدف تحرير أرض الدولة واستقلالها وسيادتها على أرضها؟ لماذا الغرق في متاهة الفصل التعسفي بين مركبات العملية النضالية؟
وفي الفقرة السابعة تتناقض مذكرة الديمقراطية مع نفسها بالقول "ونود أن نعيد التذكير هنا بأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 19/67 لعام 2012 لا يزال يشكل الأساس القانوني للاعترافات الدولية الواسعة بدولة فلسطين، والتي شملت حتى الآن 159 دولة، وأن أحد بنود هذا القرار يعترف بمؤسسات م. ت. ف، باعتبارها المؤسسات القيادية والتشريعية لدولة فلسطين، والتي تتولى تمثيلها في الأمم المتحدة." وردا على التناقض العميق في المذكرة، أولا لا تناقض بين وجود ومكانة م. ت. ف كممثل شرعي ووحيد للشعب والدولة الفلسطينية، التي اعترف بها القرار الأممي؛ ثانيا اعتراف الدول 159 جاء اعترافا بالدولة الفلسطينية، وتعزيزا لهذا الاعتراف المتعاظم تحتم الضرورة على وجود الدستور المؤقت لحين التحرير الكامل لأرض الدولة وعاصمتها القدس الشرقية؛ ثالثا أهمية وجود الدستور، يتمثل في الرد المباشر على دولة الاستعمار الإسرائيلية وقرارات الكنيست، وردا على قرارات الحكومة النازية الإسرائيلية التي تعمل ليل نهار على قطع الطريق على وجودها واستقلالها، وتصفية خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، وبالتالي الدعوة للقفز عن وجود الدستور، وتهميش مكانة الدولة، يصب في خانة أهداف الدولة الاستعمارية الإسرائيلية، وليس العكس.
وفي الفقرة الأخيرة تقر مذكرة الديمقراطية بوجود فراغ دستوري، وتقول "نحن بلا شك نعاني من فراغ دستوري، ولكن ثمة سبيل آخر أكثر واقعية لسد هذا الفراغ، هذا السبيل هو إعادة الاعتبار لوثيقة "إعلان الاستقلال" التي تحظى بالإجماع الوطني، والتي هي وثيقة إبداعية." وردا على ذلك، مؤكد أن وثيقة "إعلان الاستقلال" والميثاق الوطني لمنظمة التحرير والدستور المؤقت تتكامل فيما بينها، لكن الوثيقة لا تجيب على الأسئلة كافة المتعلقة بتنظيم علاقة الدولة مع الشعب، فضلا عن إقراركم بوجود الفراغ الدستوري، الذي يملأه وجود دستور مؤقت ينظم العلاقة بين الشعب ومؤسساته الرسمية القائمة، ولا يجوز إبقاء الفراغ قائما ومعلقا في الهواء.
وعليه أتوجه بالنصح للرفاق في الجبهة الديمقراطية بمراجعة مذكرتهم، لإعادة الاعتبار لدورهم الفاعل في ترسيخ مكانة ودور الدولة ودستورها المؤقت، لتعزيز النضال الوطني المشترك للكل الفلسطيني تحت راية منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
oalghoul@gmail.com