جميل بوري المسكون بيافا رحل وترك لنا الرواية
باسم برهوم

كان بعمر المراهقة عندما ركب جميل بوري القارب هو ووالداه وأخواته وإخوانه، مغادرا يافا في أوائل شهر أيار عام 1948، تلك اللحظة هي الأقسى في حياته، غادر يافا ولم تغادره بعد ذلك أبدا، ولأنه كان يدرك أن لرحلة حياته نهاية أصر أن يترك روايته في كتاب ومجموعات صور احتفظ بها لمدينة يافا وفلسطين. في أي فرصة كانت تتاح له كانت ذكرياته المشحونة بالعواطف والإحساس المرهف بالمكان هي موضوعه، وكأن السنوات القصيرة التي أمضاها في طفولته وصباه في يافا تختصر كل عمره، أو أنه لا معنى لوجوده بدون تلك الذكريات.
تعرفت على جميل وكان في العقد الثامن من عمره، كان يخطفني ويأخذني لمكتبه الخاص في منزله، المكتب لم يكن للعمل ولكن هو مكان الخلوة بينه وبين يافا، شاشة كبيرة مربوطة بجهاز الكومبيوتر كانت هي نافذته للدخول إلى يافا والتجول في المكان وفي الذكريات، كان يناديني لأقف إلى جانبه ونتجول معا، ويتوقف ليشرح لي تفاصيل الأماكن، وما يتذكره عندما كان يسير وحده، أو مع أصدقائه، يروي القصص كأنها جرت أمس.
في تلك الفترة كان لا يزال يتابع طباعة كتابه، وقال: أنا أريد أن يقرأ أبنائي وأحفادي الرواية وتبقى جزءا من ذاكرتهم، كان يعيش وكأنه في تحدٍّ مع غولدا مائير التي قالت: "الآباء يموتون والأبناء سينسون"، وعندما طبع كتابه وأمسكه بين يديه كان وجهه يشع، يحدق به وكأنه أمسك بيافا مجددا، أصر أن يكون أحفاده أول من يقدم لهم كتابه.
بالرغم من أن جميل بوري قد حقق الكثير من الإنجازات الشخصية في حياته، وبرز كرجل أعمال ناجح، وبالرغم من تجارب حياته وجولاته في معظم مناطق العالم، إلا أن كل ذلك لم يكن يحتل إلا المساحة الأقل من حديثه، وإن روى قصة نجاح له كان يبدأها بيافا وتنتهي بيافا، فهي الذكريات وهي المحفز وهي أم البدايات وأم النهايات كما يقول محمود درويش، فهي الوطن الأول، والوطن الأزلي.
أوصله قارب التهجير إلى لبنان، وكان إلى جانب والده يقف لإعادة ترميم حياته وحياة العائلة، وبإصرار لافت أدار عجلة التجارة التي كان والده قد بدأها في يافا، ومن نجاح إلى نجاح حتى وضع نفسه في موقع رجال الأعمال الناجحين، ولكن البداية كانت من يافا، هكذا كان يؤكد دائما.
قبل أيام قليلة رحل جميل بوري عن الدنيا، كان يتمنى أن تكون نهاية رحلته في يافا، لكنه كغيره كثيرين ممن ولدوا قبل النكبة حرم من العودة، في أيامه الأخيرة وعندما كان الجميع من حوله يريدون شد أزره، كانوا يتحدثون معه عن يافا، هذا الموضوع وحده ما كان يشده في أيامه الأخير، رحل وهو مسكون بيافا مسكون بالوطن الأول.. الوطن الأزلي.
وداعا أيها الصديق.. يا من كنت أرى في عينيه ذلك الأفق البعيد الذي يأخذني إلى شاطئ يافا الذهبي، إلى شاطئ فلسطين الممتد في عروقنا التي لن تجف.
وداعا أيها الصديق الذي جمعت ذكرياتك بين يافا والقدس العتيقة داخل السور حيث ترك الأنبياء روايتهم.
مواضيع ذات صلة