عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 17 شباط 2016

فيلم فيروسي

معاريف - بقلم: يوسي ملمان

في فيلم وثائقي جديد بعنوان "زيرو دييز" والذي سيعرض اليوم في مهرجان الافلام في برلين، يزعم الجنرال مايكل هايدن، رئيس الـ سي.آي.ايه سابقا والـ ان.اس.ايه، الوكالة الاميركية للامن القومي، أن هدف الهجوم الاسرائيلي ضد ايران في حال تم، كان جر الولايات المتحدة الى الحرب. الفيلم يقتبس مصادر من جمهور الجواسيس للولايات المتحدة الذين اتهموا اسرائيل بأن العمل المتسرع وبدون تفاهمات هو الذي شوش عملية سرية مشتركة كانت تهدف الى الحاق الضرر بحواسيب الخطة النووية الايرانية. وكنتيجة لذلك فان ملايين الدولارات التي تم استثمارها في الموضوع ذهبت هباء.

يقف من وراء هذا الفيلم المثير للفضول المخرج الوثائقي اليكس غفني، وهو أحد المخرجين الوثائقيين الاكثر انشغالا في هوليوود والذي اعتبر في الماضي أحد المنتجين الوثائقيين الهامين في زمننا. وقام باخراج افلام "الزبون رقم 9: صعود وسقوط اليوت سبيتسر" (2010) و"كذب ارمسترونغ" (2013) و"السنتولوجيا وسجن الايمان" (2015) و"ستيف جوبس: الشخص في الماكينة" (2015) و"سيارة بجانب الظلام" (2007)، الفيلم الذي فاز بفضله بجائزة الاوسكار للفيلم الوثائقي.

الفيلم الحالي الذي يتحدث عن العملية الاستخبارية المشتركة بين اسرائيل والولايات المتحدة لافشال خطة ايران النووية يشتمل على شهادات من رجال الـ ان.اس.ايه والـ سي.آي.ايه الذين عملوا مع نظرائهم في اسرائيل – وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية والموساد – من اجل تطوير عدد من الفيروسات القاتلة التي ستوضع في الحواسيب في موقع تخصيب اليورانيوم في نتناز في ايران. وقد تم تقديم الشهادات دون ذكر أسماء، وتقوم الممثلة التي تمت تغطية وجهها بقراءة هذه الشهادات.

حسب الادعاءات في الفيلم، العمل المتسرع لاسرائيل ألحق الضرر بتنفيذ عدة عمليات تم التخطيط لها من اجل الاضرار بالحواسيب في الموقع الثاني الاكثر حماية لتخصيب اليورانيوم في فوردو. ويكشف الفيلم ايضا عملية سرية مستقبلية اخرى لحرب السايبر والكود السري لها ان.زد (الاحرف الاولى لكلمات افشال زيوس. "لقد انفقنا على هذه العملية المليارات"، كما جاء في الفيلم، "والتي كانت تهدف الى تخريب كل الحواسيب في ايران في حال حدوث حرب. دخلنا الى كل اجهزة السلطة وخطوط الكهرباء ومولدات الكهرباء واغلبية البنى التحتية في ايران".

الفيروس القاتل الذي تم ادخاله الى نتناز سمي من قبل رجال حماية الحواسيب باسم "ستوكسانت"، رغم أن اجهزة الاستخبارات في اسرائيل والولايات المتحدة اطلقت عليه اسم آخر لم يكشفه الفيلم. واسم العملية كلها التي كشف عنها الصحفي ديفيد سنجار من "نيويورك تايمز" كان "العاب اولمبية". وقد كانت التقديرات هي أن ادخال الفيروس يشير الى دخول دولتين للمرة الاولى في حرب السايبر ضد دولة ثالثة. وحتى ذلك الحين كانت معظم الهجمات تنفذ من قبل قراصنة افراد من اجل التسلية أو لدوافع سياسية أو مجرمين من اجل الخداع وسرقة الاموال أو شركات تجسس تجاري وصناعي.

وقد تم اقتباس نائب الرئيس جو بايدن في الفيلم، الذي اتهم الاسرائيليين بأنهم "غيروا الكود" لخطة الفيروس القاتل. وحسب الفيلم فانه نتيجة لذلك، خلافا لما خطط له، انتشر الفيروس من حواسيب المشروع النووي الى كثير من الحواسيب الاخرى في ايران ومن هناك الى العالم. وأضر ايضا بحواسيب شركات اميركية. الانتشار الغير مخطط له للفيروس تسبب في الكشف عن العملية ومكّن الايرانيين، بمساعدة الخبراء من روسيا وبلاروس، من ايجاد "تحصين" لحواسيبهم والدفاع من خلال دفاع افضل عن خطتهم النووية.

حسب الفيلم، الكشف المبكر عن الفيروس بسبب سلوك اسرائيل أدى ايضا الى انكشاف خطة الفيروس التي كانت الاكثر تقدما وسرية في العالم أمام الاستخبارات الروسية والايرانية. "المفارقة كانت أن الصيغة السرية لكتابة الكود وبرمجة الفيروس قد سقطت في أيدي روسيا وايران – الدولة التي وضعت الخطة من اجلها".

إن ميزة الفيروس كانت أنه في لحظة دخوله الى الحواسيب، سيعمل بشكل مستقل دون الحاجة الى أي تدخل. وهذا الامر يشبه القنبلة التي تعمل بمفردها. والفيروس كان يفترض أن يعمل في اليوم الموعود، يوم الصفر.

كسب الوقت

إن تطوير فيروس ستوكسانت وتخطيط عملية "الالعاب الاولمبية" بدءا في عام 2006 في عهد الرئيس جورج بوش الابن، الذي سعى الى افشال المشروع النووي الايراني. مايكل هايدن الذي كان منذ عام 1999 رئيسا لـ ان. اس. ايه والـ سي. آي. ايه يكشف في الفيلم أن "الرئيس بوش لم يرغب بخيار الحرب فقط".

وحسب الفيلم فقد وصل خبراء من الدولتين الى فكرة الحاق الضرر بالمنشآت النووية الايرانية ولا سيما الحواسيب. إن ما ساعد على جمع المعلومات حول الحواسيب كانت الصور التي تم بثها من زيارة الرئيس الايراني في حينه، محمود احمدي نجاد، لموقع نتناز. حيث ظهرت في الصور الحواسيب بوضوح وكذلك انواعها وتفاصيلها. وقد شكلت هذه النقاط فرصة لادخال الفيروس. وقد رافق الرئيس الايراني في جولته خبراء نوويين ايرانيين، أحدهم، الذي تم تصويره وهو يقف الى جانب نجاد، قتل بعد بضع سنوات في عملية تنسب حسب مصادر اجنبية للموساد.

حسب الموافقة التي منحها بوش، تم بناء في الولايات المتحدة واسرائيل نماذج مشابهة لاجهزة الطرد المركزي التي كانت في نتناز. وأقيمت النماذج في المختبرات في مدينة اوك ريدج في ولاية تنسي، والتي تستخدم ايضا لانتاج السلاح النووي وفي المفاعل النووي في ديمونا. وتم ادخال الفيروس القاتل الى اجهزة الطرد المركزي حيث كسرت وأصيبت. وقد احضر رجال الاستخبارات القطع المحطمة الى البيت الابيض ليشاهدها الرئيس بوش، وقاموا باعادة عرض العملية أمامه. الرئيس بوش تحمس وقال اذهبوا ونفذوا التجارب. وأمر بالاستثمار أكثر من اجل حرب السايبر الهجومية السرية وأعطى المصادقة للعملية.

حرب السايبر الهجومية ضد ايران، حسب الفيلم، تصاعدت خلال عهد الرئيس براك اوباما الذي خشي من خروج اسرائيل الى عملية عسكرية بقيادة رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع اهود باراك. ويكشف هايدن في الفيلم أن التخوف الاميركي كان أن "الهدف الحقيقي للهجوم الاسرائيلي ضد المنشآت النووية الايرانية هو توريطنا في الحرب". هذا لأن قدرة اسرائيل على الضرب محدودة. "يوجد لاسرائيل سلاح جو ممتاز لكنه صغير"، قال هايدن في الفيلم، "المسافة كبيرة وقد وزعت المواقع في ارجاء ايران".

على هذه الخلفية ومن اجل تهدئة اسرائيل واثبات أن الادارة الاميركية تعمل بتصميم على افشال المشروع النووي الايراني، أمر الرئيس اوباما الاستخبارات بزيادة الجهود بل والتعاون مع الموساد ووحدة 8200. هذا رغم وجود شك حول العملية. وحسب الفيلم فان اوباما أبدى قلقه من أن "الصينيين والروس سيفعلون نفس الشيء له"، ويدخلون الفيروسات الى المواقع النووية والاستراتيجية الاخرى في الولايات المتحدة. لكن قلق الرئيس الاكبر كان الهجوم الاسرائيلي. "كان الهدف هو كسب الوقت من اجل اجبار ايران على المجيء الى طاولة المفاوضات"، كما قال هايدن.

وحسب الفيلم، الاستخبارات البريطانية كانت مطلعة على الاسرار "لكن الشريك الرئيسي كان اسرائيل. وفي اسرائيل أدار الموساد الموضوع، وكانت المساعدة التقنية من وحدة 8200. اسرائيل هي المفتاح في كل هذه القصة".

دون ترك بصمات

حسب الفيلم، الفيروس أدى دوره في البداية. "لم يتم قول كل شيء لنا. وقد تم ادخال الفيروس الى الحواسيب من قبل الموساد، وهذا من خلال الدخول الى شركتي برمجة في تايوان عملتا مع ايران". جاء في الفيلم من شهادات رجال الـ ان.اس.ايه.

كانت الطريقة هي أن يلحق الفيروس الضرر بصناديق الكهرباء الرقمية والمحوسبة من نوع سيمنز الالمانية والتي كانت متصلة مع الحواسيب وقامت بتشغيل اجهزة الطرد المركزي. من 1000 الى 5000 جهاز طرد مركزي تضرر دون أن يفهم الايرانيون ما الذي يحدث أو ما هو مصدر الخلل. "الخطة فعلت ما كان يفترض أن تفعله"، جاء في الفيلم من قبل رجل استخبارات اميركي. "تفجرت اجهزة الطرد المركزي دون ترك بصمات".

كان هناك هدف نفسي ايضا للعملية: اشعار القيادة الايرانية والعلماء بأنهم عديمو الحيلة دون فهم ما يحدث. هدف آخر كان اثارة الخلاف بين القيادة السياسية والعسكرية وبين العلماء. حيث اتهم الايرانيون الخبراء عندهم وبدأوا باقالة البعض وتهديدهم.

حسب الشهادات التي احضرها منتجو الفيلم، في قيادة الـ ان.اس.ايه وقيادة السايبر التي توجد في فورت ميد في ولاية ميريلاند الاميركية، عمل مئات المبرمجون وعلماء الرياضيات وهندسة الحواسيب في مجموعات سميت تاو. هم فقط كان مسموح لهم الدخول الى حواسيب خارج الولايات المتحدة بما في ذلك الحواسيب التابعة لايران.

وجاء في الشهادات أن الولايات المتحدة واسرائيل قامتا بتطوير عدة نسخ من فيروس ستوكسانت. كل نسخة كانت أشد من التي سبقتها. وكانت الفكرة ادخال الفيروس بالتدريج والانتقال من السهل الى الصعب. مع ذلك، قيل إن لكل دولة الحق في العمل بشكل مستقل بشرط ابلاغ الدولة الاخرى. لكن حسب ما جاء في الفيلم فانه نتيجة لضغط نتنياهو على رئيس الموساد لاظهار النتائج في عملية الافشال، تقرر في اسرائيل الاستخدام المبكر للخطة القاتلة.

"لقد عملنا على نار هادئة"، قال رجال الـ ان.اس.ايه، "أما الاسرائيليون فقد دفعوا طول الوقت باتجاه الهجوم". وبعد أن تم اطلاق الفيروس لالحاق الضرر باجهزة الطرد المركزي في نتناز، بدأ الفيروس، كما قال الخبير رالف لينغر، الخبير في حماية الحواسيب بـ "القفز من حاسوب الى حاسوب"، الى أن خرج عن السيطرة وانتشر في آلاف الحواسيب، بما في ذلك شبكات وحواسيب لم يكن من المفروض أن يدخل اليها، بل واصل الى حواسيب في الولايات المتحدة وأضر بها. "اصدقاءنا في اسرائيل أخذوا سلاح طورناه معا من اجل الدفاع عن اسرائيل، واستخدموه بشكل هستيري وفجروا العملية. ونحن غضبنا جدا".

يكشف الفيلم ايضا أن القرار الرئاسي لبوش واوباما لاستخدام سلاح السايبر يستند الى الصلاحية الممنوحة لهما باستخدام السلاح النووي. في اعقاب سابقة حرب السايبر الاميركية الاسرائيلية بدأت ايران ايضا في تطوير وتحسين وسائل الهجوم. وقد هاجمت قبل بضع سنوات كانتقام وردع 30 ألف حاسوب لشركة النفط السعودية "عرامكو" وبنوك اميركية.

على هذه الخلفية، يتناول الفيلم مسألة فلسفية نظرية حول حاجة العالم الى وضع وثائق دولية وتحديد ما هو مسموح وما هو محظور في حرب السايبر مثل الوثائق الدولية حول الحرب.

اضافة الى مايكل هايدن، ظهر في الفيلم اميركيون آخرون منهم ريتشارد كارلاك، وهو خبير في الحرب ضد الارهاب وحرب السايبر في ادارة كلينتون وبوش. وكريس انغليس، نائب رئيس الـ ان.اس.ايه. وغادي سمور من مجلس الامن القومي ورئيس وحدة حماية المعلومات والحواسيب في وزارة الدفاع. والصحافي ديفيد سنجر الذي كان مستشارا للمخرج ومنتج الفيلم.

من الطرف الاسرائيلي تحدث رئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين والوزير يوفال شتاينيتس وكاتب هذه السطور الذي كان ايضا مستشارا في النشر. ويظهر في الفيلم ايضا خبراء في حماية الحواسيب من شركة "سمانتك" الاميركية والخبير الالماني رالف لانغنر وايضا يوجين كسابراسكي الذي يعتبر أحد الخبراء المعروفين في العالم في مجال حماية الحواسيب وكان في السابق رجل استخبارات في روسيا وله علاقات وثيقة مع الكرملين.