التكية الإبراهيمية بالخليل.. "نهر الطعام" الذي لم يجف منذ قرون

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- تقف تكية سيدنا إبراهيم عليه السلام في الخليل، شاهدا حيا على كرم المدينة، وتقاليد التكافل الاجتماعي الذي عرفت به منذ قرون، حتى لازمت ذاكرتها، وبفضلها ميزت المدينة بأنها "التي لا ينام فيها جائع" أو "التي لا تعرف الجوع".
وإن كانت التكية الإبراهيمية تشكل مقصدا للفقراء والمحتاجين طلبا للطعام والضيافة على مدار العام، إلا أنها خلال شهر رمضان الفضيل يزداد زخم المقبلين عليها؛ فعند ساعات الصباح، تمتد طوابير قاصدي التكية أمام أبوابها يحملون أوعية الطعام في صورة تتكرر كل يوم.
ويوضح مدير التكية حازم مجاهد أن التكية تقدم وجبات من الطعام الساخن من اللحوم الحمراء والبيضاء طوال الشهر الفضيل، وذلك بتبرع من المحسنين والكرماء، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين يصل خلال هذا الشهر إلى نحو 4 آلاف شخص يوميا، فيما يتراوح عددهم في الأيام العادية ما بين نحو 1500 إلى 2000 شخص.
وتعود التكية بصورتها المؤسسية إلى العهد المملوكي، حيث ارتبط إنشاؤها بالسلطان المنصور قلاوون عام 1279م.
فيما ترجع بأصلها- وفقا لدراسة علمية أجراها د. شوكت حجة من جامعة الخليل- إلى أيام النبي ابراهيم عليه السلام عندما كان يكرم ضيوفه، حتى إنه لا يأكل إلا إذا شاركه طعامه الفقراء والمساكين، ويجبر الضيف على أن يقيم في ضيافته ثلاثة أيام، وإذا جهز الطعام كان يدق الطبل إشارة لهم للقدوم وتناول الطعام.
ويؤكد الكاتب والباحث محمد أبوصالح مؤلف كتاب "الخليل عربية إسلامية" بأن التكية الإبراهيمية حظيت بالعناية والاهتمام من الدولة الإسلامية في مختلف العصور والأزمنة؛ فقد لاقت اهتماما واضحا من الأيوبيين وزادوا في خيراتها، وعندما جاء صلاح الدين الأيوبي أوقف الوقفيات الكبيرة على المسجد الإبراهيمي والتكية الإبراهيمية التي كانت تطعم الوافدين إليها ويصرف لخيولهم الشعير حتى يبقوا في رباط دائم إلى يوم القيامة.
فيما تشير دراسة حجة إلى أن بداية إحياء سنة هذه الضيافة كانت في العهد الفاطمي وتطورت بشكل ملحوظ في الفترات الأيوبية والمملوكية والعثمانية.
وتقع التكية اليوم بجانب الحرم الإبراهيمي الشريف من الجهة الغربية، بعدما كانت بجانب المسجد الجاولي من جهة القبلة.
ويوضح الباحث أبو صالح أن البناء القديم للتكية وملحقاته أزيل عام 1964 ونقل إلى مكان مؤقت بجانب بركة السلطان في المدينة، وذلك ضمن مشروع الإزالة الذي نفذ آنذاك لما هو حول الحرم الإبراهيمي بغية تنظيم وتجميل الحرم، إلى أن تم إنشاء المبنى الجديد لها عام 1984 وتأهيله.
ويوضح أبو صالح أن التكية لعبت دورا فاعلا خلال حربي عام 1948م، وعام 1967م؛ حيث استقبلت الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني الذين تدفقوا إليها بعد النكبة عام 1948 وقدمت لهم المعونة.
وأكد مدير التكية مجاهد أنها تعد اليوم ملاذا لآلاف العائلات والأسر من الفقراء والمحتاجين، وإن الإقبال الكبير عليها يلامس ما يعيشه أبناء شعبنا من ظروف اقتصادية صعبة وقاسية خلال هذه الأيام، مؤكدا أنها ضربت ومنذ نشأتها أروع صور التكافل الاجتماعي.
إلى جانب هذا، ترسخ التكية الوجود الفلسطيني داخل البلدة القديمة التي تواجه سياسات التهجير التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد سكانها لترحيلهم، ويسهم وجودها في تثبيت السكان وإعمار البلدة بالزوار من خلال ما تقدمه من طعام للفقراء بشكل عام ولسكان البلدة القديمة بشكل خاص.
وشكل نجاح التكية الإبراهيمية في الخليل حافزا لأهالي بعض المدن الأخرى على إنشاء تكايا للمعوزين والفقراء وسد حاجاتهم من الطعام.
وهكذا تواصل التكية الإبراهيمية أداء رسالتها في الخليل لتبقى شاهدا على تقليد متجذر فيها؛ أن موائد الكرم لا تنطفئ، وأن "نهر الطعام" الذي بدأ قبل قرون ما زال يجري حتى يومنا هذا!.
مواضيع ذات صلة
إصابتان برصاص الاحتلال قرب سنجل شمال رام الله
الاحتلال يواصل قصفه مناطق متفرقة في لبنان
التكية الإبراهيمية بالخليل.. "نهر الطعام" الذي لم يجف منذ قرون
قطايف شتا.. رفيقة جنين منذ 80 عاما
المجلس الإداري في الاتحاد العام للمرأة يناقش مسودة الدستور مع لجنة الصياغة
الاحتلال يخطر باقتلاع أشجار زيتون في حزما