لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
عماد الدين موسى

في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية عمان أسدل الستار في يوم المرأة العالمي 8 آذار على حياة الكاتبة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي بعد مسيرة طويلة امتدت قرابة ثمانية عقود. رحلت وهي تحمل في ذاكرتها أرشيفا واسعا من الحكايات والكتب والقراءات، وتركت وراءها أكثر من نصف قرن من العمل المتواصل في القصة والرواية والترجمة والعمل الثقافي.
ارتبط اسمها بالمشهد الثقافي العراقي منذ سبعينيات القرن العشرين الفائت، حين بدأت بنشر قصصها في المجلات والصحف العراقية والعربية، ثم تحولت تدريجيا إلى واحدة من أكثر الأصوات السردية حضورا في العراق والعالم العربي، حيث ظلت كتاباتها قريبة من الإنسان، مشغولة بأسئلة الحياة اليومية، وبالتفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى في حياة البشر.
وشكل خبر رحيلها صدمة للمشهد الثقافي الذي عرفها صوتا هادئا ومثابرا، تؤمن بقوة الأدب في توسيع أفق الإنسان، وحملت هم الثقافة العراقية في سنواتها الصعبة.
البدايات الأولى
ولدت الكاتبة الراحلة عام 1943 في بغداد، المدينة التي شكلت فضاءها الأول واحتضنت طفولتها ودراستها؛ ففي مدارس العاصمة العراقية تفتحت موهبتها الأدبية، حيث بدأت علاقتها المبكرة بالقراءة واللغة، وكانت الكتب جزءا من يومياتها، واللغة العربية مجالا للدهشة والاكتشاف.
تابعت دراستها الجامعية في الأدب العربي، وحصلت على شهادة البكالوريوس، وهي مرحلة أسهمت في تعميق علاقتها بالنصوص الكلاسيكية والحديثة معا. في تلك السنوات، أخذت تجربتها في الكتابة تتبلور ببطء، وتكون وعيها الثقافي ضمن سياق اجتماعي وثقافي متغير في العراق.
شكلت بغداد بالنسبة إليها أكثر من مدينة ولادة؛ كانت فضاء للذاكرة والسرد ومختبرا للخبرة الإنسانية. ظل حضور المدينة واضحا في كثير من نصوصها التي استلهمت تفاصيل الحياة اليومية، والبيئة الاجتماعية، والوجوه البشرية المتعددة.
بدأت الكاتبة الدليمي حياتها المهنية في ميدان التربية والتعليم، حيث عملت في تدريس اللغة العربية سنوات عدة، وهو ما منحها تماسا يوميا مع اللغة، ومع الأجيال الجديدة، وأسهم في تعزيز حسها اللغوي، وتطوير علاقتها بالكلمة المكتوبة.
انتقلت لاحقا إلى العمل الصحافي، فدخلت عالم المجلات الثقافية العراقية، حيث تولت تحرير باب القصة في مجلة "الطليعة"، وهو موقع منحها فرصة متابعة الإنتاج السردي العراقي والعربي عن قرب، وكانت المجلة آنذاك إحدى المنصات الثقافية المهمة التي تحتضن الأصوات الأدبية الجديدة.
شغلت لاحقا موقع إدارة تحرير مجلة "الثقافة الأجنبية"، وهي مجلة لعبت دورا مهما في تعريف القارئ العربي بآداب العالم. ومن خلال هذا العمل، اكتسبت خبرة واسعة في متابعة الترجمات والنصوص العالمية، ما انعكس لاحقا في نشاطها الكبير في مجال الترجمة.
إلى جانب ذلك، كتبت أعمدة صحافية في الصفحات الثقافية لسنوات طويلة، وشاركت بنصوصها السردية والمقالات الفكرية في عدد كبير من الصحف والمجلات العربية، ومن بينها موقع "ضفة ثالثة" الثقافي.
سافرت الراحلة الدليمي في عام 1978 إلى العاصمة البريطانية للدراسة في جامعة لندن ــ كلية غولدسميث، حيث درست اللغة الإنكليزية وآدابها. شكلت تلك التجربة محطة مهمة في حياتها الفكرية، إذ أتاحت لها إمكان الاطلاع المباشر على الأدب العالمي في لغته الأصلية. كما عززت اهتمامها بالترجمة، ووسعت أفقها الثقافي في اتجاه المدارس الأدبية المختلفة.
صوت ثقافي فاعل
ارتبط اسم الكاتبة الدليمي بالدفاع عن قضايا المرأة في العراق والعالم العربي، وتزامن رحيلها مع يوم المرأة العالمي؛ حملت في كتاباتها اهتماما واضحا بعالم النساء وتجاربهن الإنسانية والاجتماعية، حيث ظهرت المرأة في نصوصها شخصية مركزية تمتلك صوتا وتجربة ومعاناة وأحلاما.
شاركت في بداية تسعينيات القرن الماضي مع عدد من المثقفات العراقيات في تأسيس "منتدى المرأة الثقافي" في بغداد عام 1992. كان هذا المنتدى مساحة للحوار الثقافي حول قضايا المرأة ودورها في المجتمع والثقافة.
كما أسست عام 2004 مركز "شبعاد" لدراسات حرية المرأة، وهو مشروع ثقافي يسعى إلى تعزيز الوعي بحقوق النساء، وإتاحة مساحة للنقاش الفكري حول هذه القضايا.
حظيت أعمال الدليمي باهتمام واسع داخل العراق وخارجه؛ إذ ترجمت قصصها إلى لغات عدة، من بينها الإنكليزية، والبولونية، والرومانية، والإيطالية. كما وصلت روايتها "عالم النساء الوحيدات" إلى القارئ الصيني بعد ترجمتها إلى اللغة الصينية.
منح هذا الانتشار نصوصها حضورا عالميا، حيث أصبحت تجربتها السردية جزءا من تجربتها الابداعية.
الكتابة خارج الوطن
شهد عام 2006 تحولا كبيرا في حياة الدليمي، حين غادرت العراق متجهة إلى عمان، قبل أن تنتقل لاحقا إلى باريس للمشاركة في مؤتمر حول حرية الإعلام بدعوة من منظمة اليونسكو.
أقامت في العاصمة الفرنسية مدة بوصفها لاجئة ثقافية خلال عامي 2006 و2007. تلك الفترة حملت تجربة إنسانية عميقة، حيث اختبرت شعور الابتعاد عن الوطن والعيش في فضاء ثقافي مختلف.
في نهاية عام 2008، عادت للإقامة في عمان، المدينة التي أصبحت محطتها الأخيرة حتى وفاتها. خلال سنوات إقامتها هناك استمرت في الكتابة والترجمة والمشاركة في الفعاليات الثقافية العربية.
تركت الراحلة خلفها إرثا أدبيا كبيرا يضم أكثر من ثلاثين عملا إبداعيا بين القصة والرواية، إضافة إلى أكثر من عشرين كتابا مترجما عن الإنكليزية. يعكس هذا الإنتاج مسيرة طويلة من العمل المتواصل والاهتمام العميق بالأدب.
امتدت اهتماماتها أيضا إلى مجالات أخرى من الكتابة، حيث كتبت نصوصا للمسرح والتلفزيون، وهو ما يكشف عن تنوع تجربتها الإبداعية وقدرتها على العمل في أشكال سردية متعددة.
الكتابة بوصفها طريقة لفهم العالم
يمكن قراءة تجربة الراحلة الدليمي بوصفها رحلة بحث مستمرة عن الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. في قصصها تظهر شخصيات تعيش في فضاءات واقعية، تواجه أسئلة الوجود والهوية والذاكرة.
اهتمت في سردها بالتفاصيل الدقيقة التي تمنح الحياة معناها، وقدمت عبر نصوصها عالما يلتقي فيه الواقعي بالمتخيل، وتلتقي فيه التجربة الشخصية مع الهم الإنساني العام.
تميز أسلوبها بلغة شفافة تميل إلى التأمل، حيث يتحول السرد إلى مساحة للتفكير في الزمن والذاكرة والعلاقات الإنسانية.
ومع رحيلها يودع المشهد الثقافي العراقي واحدة من أبرز كاتباته في العقود الأخيرة.
تركت الراحلة وراءها مكتبة من الكتب والحكايات والترجمات التي ستظل حاضرة في ذاكرة القراء.
شكلت تجربتها مثالا على المثقف الذي يجمع بين الكتابة والعمل الثقافي والموقف الإنساني. في قصصها يتجاور الألم مع الأمل، وتتحول الكتابة إلى مساحة للحلم بعالم يكون أكثر إنصافا واتساعا.
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"