عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 آذار 2026

الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!

سؤال عالماشي - موفق مطر

من ظن وقال: إن الأحزاب والجماعات السياسية المستخدمة للدين فشلت ولم تنجح، ليس عليه إلا إعادة قراءة أحداث الصراعات الداخلية والحروب منذ حوالي خمسة عقود وحتى اليوم، فإنه بالتأكيد سيكتشف مدى وحجم وسماكة تراكم رماد وغبار المذهبية والطائفية والقبلية والعشائرية والعائلية على صرح الانتماء الوطني، وطغيان مفاهيم وتفسيرات وتأويلات المستقوين بالموروث المتناقض مع العقل والمنطق والعلوم الإنسانية، وغير الصالح للتطبيق في القرن الواحد والعشرين، وإلى أي حد بلغ إرهاب المفكرين والعلماء والمبدعين وتكفيرهم وتخوينهم، ووصمهم بالزندقة والانحراف والردة، واتهامهم بالمؤامرة على "الأمة"، لا لجريمة ارتكبوها، ولا لفعل يعاقب عليه القانون، وإنما لأنهم لم يستسلموا، ولم يخضعوا، ولم يسلموا عقولهم لسلاطين كماشة ذات حدين: الدكتاتورية السياسية ودكتاتورية مستخدمي الدين، ولأنهم اخترقوا أنظمتها المانعة والمضادة بإعمال عقولهم التي في كل ما أمكنهم الوصول إليه عبر المعرفة، التي رفعتهم ودفعتهم للتساؤل في سياق البحث عن أجوبة صحيحة لظواهر الكون وأسرار الحياة وأركان العقائد الروحية الأخلاقية الإنسانية، ثم فكروا وبحثوا، وبرهنوا، وأثبتوا صواب نظرياتهم، وقراءاتهم، وتدبيراتهم، بعد أن تجردوا من ضغوط موروث مجتمعاتهم، وأنظمتهم السياسية، وتجاوزوا موانع وحواجز الجماعات القطبية والأصولية والإرهابية، متسلحين بمناهج بحث علمية لا يختلف عليها عاقلان.. وقدموا لأمة الإنسان خلاصة واحدة – رغم اختلاف مواطنهم- وهي أن الإنسانية في الذات الفردية والجمعية والأممية هي المستهدفة من الحروب والصراعات، وأن على رأس أولويات صناعها والمستفيدين منها، إبقاء شعوب الأرض وأجناسها وأعراقها وعقائدها وثقافاتها في معمعة العداء المطلق، يسعرونه كلما لمسوا خفوت نيرانها وهدوء ضجيج حروبها، وجفاف الدماء البشرية المسفوكة، لخوفهم على مصالحهم ومكاسبهم، ولإدراكهم بحتمية زوالها إذا تيقنت أمة الإنسان أنها أمة واحدة، وأن السلام المنهج الشامل الجامع لفلسفة الحضارات الإنسانية التي جسدتها الشعوب في مشرق الأرض ومغربها وشمالها وجنوبها، لذلك يلجأون إلى بذر أو غرس جماعات متطرفة، بمرجعيات دينية أو وطنية أو قومية، وتختار الأراضي الخصبة لدى الشعب الواحد، أو لدى شعبين، وتوفر البيئة والمناخ المناسبين لنموها ورعايتها، ولا تبخل عليها بالمال والعتاد وتكنولوجيا الاتصال والإعلام، لتؤدي وظيفتها المرسومة لها سلفا، ثم يهيئون لها أسباب القوة للتمدد بسرعة وبلا حدود، واختراق أذهان الصغار والكبار بأساليب وأدوات (كاتم الصوت) لتبدو عملية اغتيال كينونة الإنسان في ظاهرها سلوكا أو كلاما أو فعلا عاديا لا يثير الشبهات، ويحدث كل هذا في غفلة من عقلاء المجتمع، وفي عقلية التسليم السائدة، التي يخشى أصحابها التفكير والسؤال بحثا عن جواب، ويحدث في زمن طغيان منابر التجهيل، والتبعية العمياء، وقصور وغياب أدعياء الثقافة والحداثة والتنوير، والنظم الوطنية عن دوائر التخطيط للعمل والفعل الميداني المباشر، ولا نبالغ إذا قلنا إن الكثير يقفل على لسانه فيصمت، أو يصم أذنيه، أو يكف بصره خوفا، وربما خشية، وانعدام التوازن ما بين قناعاته والإيمان بما ينطق أو يكتب مع عمله، ونظرا لابتعاده عن نقطة التمركز في فلسفة الحياة!

لكنا إذا نظرنا للحالة بعين التشخيص الدقيق سنجد أن حالة التشرذم والتقوقع، والانكفاء نحو قلاع بنيت من حجارة الطائفية والمذهبية والعشائرية والحزبية المتطرفة الهشة، ظنها البعض ملاذاً آمنا يغنيه عن الانتماء لوطن تسود فيه العدالة والمساواة والحرية والكرامة والحقوق والحريات والاستقلال والسيادة، لأن هذا البعض قد ظن باستطاعة بيئته المنفصلة والمتجردة من الانتماء الوطني تأمين وضمان هذه المبادئ الإنسانية، ولأنه لم يجد من يقنعه أن سبيله للحياة بسلام هو الإيمان أنه فرد في أمة الإنسانية، وأن الانتماء الوطني العقلاني الحر الخالص، مسباره الذي يمكنه من التحليق بأمان في سمائها والهبوط أين ما شاء على أرضها بسلام.