سيناريوهات الحرب الإيرانية– الإسرائيلية – الأميركية
د. رمزي عودة

ليس من السهل تحديد اتجاهات وسيناريوهات الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية، فهي قد بدأت للتو، وتختلف اتجاهاتها تبعاً لحالة التصعيد المتبادل، والجبهة الداخلية، وإمكانية دخول أطراف أخرى في الحرب مثل بريطانيا ودول الخليج، أو حتى أذرع إيران في المنطقة. وبرغم أنه حتى الآن لا يبدو أن هذه الأذرع، مثل حزب الله والحوثيين، قادرة أو راغبة في الانضمام إلى هذه الحرب.
في الواقع، هناك عدة سيناريوهات تحدد مسارات هذه الحرب المدمرة، أهمها:
أولاً: سيناريو سقوط النظام
أعلن الرئيس ترامب ورئيس وزراء الاحتلال نتنياهو، في خطابيهما عشية الحرب، أن هدفهما إسقاط النظام، ولكنهما ربطا ذلك بتوجيه الشعب الإيراني لإسقاط النظام المترهل والضعيف اقتصاديًا. ويبدو أن هذا السيناريو من الصعب تحقيقه إلا إذا ضعف النظام بشكل كبير جداً، وهذا غير متوقع جراء هذه الضربات الجوية والصاروخية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل السبت الماضي. ففي الحالة الصربية في بداية تسعينيات القرن الماضي، صمد النظام نحو 78 يوماً من القصف الجوي من قبل دول التحالف ثم سقط. وأعتقد أن الحالة الإيرانية أكثر تعقيداً من الحالة الصربية، وليس من المتصور خلال الأشهر الثلاثة أو حتى الستة القادمة أن يسقط النظام الإيراني فقط بسبب الضربات الصاروخية والجوية.
ثانياً: سيناريو الثورة الشعبية
ربما تنتهي الحرب إذا ما اندلعت مواجهات بين قوات النظام الإيراني والجماهير الغاضبة، تماماً كما حدث قبل عدة أشهر، وسقط فيها آلاف الإيرانيين المدنيين. ولكن في الحالة الحاضرة، فإن قدرة النظام ستكون محدودة في القضاء على أي ثورة شعبية، لا سيما إذا ما ووجهت هذه القدرة بالتدخل العسكري الأميركي – الإسرائيلي المضاد. وبرغم أنني لا أتوقع أن تؤدي أي ثورة شعبية إلى إسقاط النظام بسبب اعتماد النظام الإيراني على امتداد ديني وعقائدي، فإنني أرجّح أن تنجح هذه الهبّات الجماهيرية في إحداث انقسامات جغرافية – ديمغرافية، لا سيما في المناطق الحدودية والنفطية.
ثالثاً: سيناريو توسع دائرة الصراع
إذا ما استمرت إيران بقصف دول الخليج العربي، فستضطر هذه الدول إلى الدخول في الحرب ضد إيران، تماماً كما حدث في الحالة البريطانية، حينما أعلنت بريطانيا مؤخراً انخراطها في المجهود الحربي ضد إيران في أعقاب توجيه ضربات صاروخية إيرانية ضد القواعد البريطانية في قبرص . بالمقابل، وفي لحظة حاسمة، ربما تتدخل أذرع إيران الخارجية إذا ما استشعرت سقوط النظام الإيراني، وهذا كله سيدخل المنطقة ككل في حرب طويلة ومدمرة.
رابعًا: سيناريو الاحتلال
ليس مطروحاً من قبل الإدارة الأميركية احتلال أراضٍ في إيران، خاصة أن القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة، في إطار البوارج العسكرية التي أبحرت إليها مثل حاملة الطائرات “فورد”، ليست مجهزة لاحتلال مناطق برية لمدة طويلة، وإنما لتوجيه ضربات جوية وصاروخية. كما لم تقم القوات الأميركية باستدعاء جنود المارينز أو إنشاء تحالف دولي كما فعلت مع العراق في حرب الخليج الثانية. ولهذا فإن سيناريو الاحتلال بعيد جداً عن الحدوث، إلا في حالة واحدة منطقية، وهي قيام القوات الأميركية باحتلال مناطق حدودية غنية بالنفط، مثل حقول الأهواز والحقول المشتركة مع دول الخليج والعراق. وفي هذا السيناريو، إن تحقق، تضمن الولايات المتحدة استرجاع تكاليف الحرب، وإضعاف النظام الإيراني، والسيطرة على النفط العالمي، لا سيما أن نسبة احتياطي إيران من النفط العالمي تقارب 12%
خامسًا: سيناريو الانقلاب
سواء كان هذا الانقلاب أبيض أم دمويًا، فإن هذا السيناريو سيكون أقرب من سيناريو سقوط النظام، لأن النظام الإيراني قوي ومتماسك ومتجذر في المؤسسات الأمنية والسياسية، كما أن هذا النظام يعكس مصالح آلاف الإيرانيين. ولهذا، فإنه من المتوقع – بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعشرات القادة الإيرانيين – أن تبرز طبقة عسكرية – سياسية بيروقراطية الطابع تتعاطى مع المطالب الأميركية – الإسرائيلية بالتخلي عن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وكذلك التخلي عن دعم أذرع إيران الخارجية؛ بمعنى آخر، وعلى حد تعبير كيسنجر، أن تصبح إيران “دولة عادية" وليست "دولة ثورة".
في الواقع، فإن هذا السيناريو قد يعيقه استمرار سيطرة الطبقة الحاكمة في الحرس الثوري وبيت الحكم الإيراني، وهي الطبقة التي سرعان ما أعلنت، بعد اغتيال خامنئي، تشكيل مجلس قيادي انتقالي بعضوية الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية والمرشد علي رضا أعرافي. وهذا المجلس هو امتداد لنظام الحكم السابق برئاسة المرشد الراحل، وليس من المتوقع أن ينحى بعيدًا عن السياسات السابقة. ولهذا نتوقع أنه مع التصعيد العسكري قد تظهر فئات وظيفية براغماتية أخرى، تكون مدعومة من طبقة الجيش، ومستعدة للعمل في إطار “إيران الجديدة” أو “إيران العادية”.
سادسًا: التفاوض
منذ اليوم الأول لانطلاق العمليات العسكرية، انطلقت مبادرات الوساطات والتوصل إلى حلول دبلوماسية بين الأطراف المتصارعة، سواء كانت هذه الجهود من قبل سلطنة عمان أو من قبل دول الاتحاد الأوروبي. ويتوقع أن تنضج هذه الجهود مع انتهاء الأيام العشرة الأولى من هذه الحرب، حينها – وكما تراهن الإدارة الأميركية – سيقيّم النظام الإيراني الخسائر الفادحة التي ألمّت بقدراته العسكرية والمدنية، ومن ثم سيقدم تنازلات كبيرة في أي مفاوضات جديدة. وفي هذا السيناريو، يُتوقع أن تكون الحرب محدودة، لن تطول عن أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، تعقبها مفاوضات جديدة تقدم فيها إيران تنازلات كبيرة.
الخلاصة
من بين هذه السيناريوهات، يبدو أن السيناريو الأكثر احتمالًا للحدوث والأقل تكلفة هو سيناريو التفاوض والدبلوماسية التي تمكّن من الوصول إلى اتفاق. إلا أن السيناريوهات الأخرى تبقى مفتوحة إذا ما رفض النظام الإيراني التوصل إلى أي صيغة اتفاق. وبرغم أن هذا السلوك يبدو غير عقلاني، فإنه قد يحدث ويفتح آفاقًا جديدة من التصعيد، حتى يسقط النظام أو تحدث انقسامات سياسية أو انقلابات شاملة أو محدودة.
بمعنى آخر، تعتمد مسارات هذه السيناريوهات بشكل كبير على درجة تعاطي النظام الإيراني مع مسألة التوصل إلى اتفاق شامل يشل البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. وفي جميع هذه السيناريوهات، فإن التكلفة التي تدفعها إيران ستكون كبيرة جدًا إذا ما قورنت بالتكلفة الواقعة على الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد جميع هذه المسارات هو مدى توافر العقلانية السياسية لدى أطراف داخل النظام الإيراني، ومدى قدرتها على تجنيب إيران والمنطقة حربًا مستمرة ومدمرة.