عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 شباط 2026

الجمعة الأولى في رمضان… البوابات تحدد الحق

حبر على جمر- لمى عوّاد

كان يقف متكئًا على عصاه، يُعدّل كوفيته كل بضعة دقائق، كأن الحركة الصغيرة تمنحه يقينًا مؤقتًا بأن الأمور ستسير كما ينبغي. جاء باكرًا، قبل الازدحام، قبل أن تشتد الشمس، قبل أن يعلو الصوت عبر مكبرات الحاجز. قال إنه تجاوز السن المطلوبة، وإنه انتظر هذه الجمعة منذ شهور. لم يكن يحمل سوى هويته، وبعض الماء، ونية الوصول إلى المسجد الأقصى في أول جمعة من رمضان.

لكن الطريق إلى الصلاة لم يكن طريقًا.

عند معبر 300 شمال بيت لحم، تكدّست الحشود منذ ساعات الصباح. مسنون استوفوا الشروط العمرية، شبان يحملون تصاريح، عائلات جاءت من شمال الضفة الغربية. ومع اقتراب موعد الصلاة، تغيّرت اللغة، مطالبات بتصاريح إضافية، إرجاعٌ مفاجئ، منع من الدخول، إغلاق بوابات دون إنذار.

في الجمعة الأولى من رمضان، لا تكون المسافة إلى القدس جغرافيا فقط، تصبح المسافة اختبارًا يوميًا لحقٍ يفترض أن يكون بديهيًا - حرية العبادة.

هكذا يتحول الزمن الرمضاني – زمن الطمأنينة الجماعية – إلى زمن ترقّب. تتداخل الروحانية مع القلق، وتُعاد صياغة الشعائر داخل معادلة أمنية متغيرة.

القيود لا تقف عند الحاجز.

 في القدس، ينتشر الآلاف من عناصر الشرطة في محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد الأقصى، وتُدار حركة الدخول بقرارات فردية. بعض من يحملون تصاريح يُمنعون، وآخرون يُحتجزون للتدقيق أو التحقيق.

الرحلة التي يفترض أن تبدأ بنداء الصلاة، تبدأ بنداء عبر مكبرات الصوت يعلن الإغلاق.

في مثل هذه اللحظات، لا يكون المنع حدثًا إداريًا عابرًا، بل تجربة شخصية مكثفة. أن تُجبر على العودة وأنت على بعد خطوات من وجهتك، أن تُقال لك شروط جديدة في اللحظة الأخيرة، أن يُختزل حقك في قرار لحظي… كل ذلك يترك أثرًا يتجاوز اليوم نفسه.

هذه الإجراءات انتهاك واضح لحرية العبادة وخرق للالتزامات الدولية ذات الصلة،لكن ما بين النص القانوني والمشهد الميداني، هناك فجوة تُقاس بأقدام المسنين العائدة، وبصوت الأذان الذي يُسمع من بعيد.

الجمعة الأولى في رمضان ليست تفصيلاً عابرًا في التقويم، هي لحظة تتكثف فيها المعاني الجماعية: الانتماء، الذاكرة، والحق في الوصول إلى مكانٍ يشكّل جزءًا من الهوية الروحية والوطنية.

ما يحدث عند الحواجز اليوم ليس مجرد تنظيم حركة، هو إعادة تعريف لمن يملك حق العبور، ومتى، وبأي شروط.

ومع ذلك، يبقى السؤال أوسع من الحاجز ذاته:كيف نحمي معنى الشعائر حين يُحاصر الوصول إليها؟

وكيف نحافظ على كرامة الطريق، حتى حين يُغلق؟

ربما لا يستطيع كثيرون تغيير القرار عند البوابة.لكنهم يحتفظون بشيء آخر: الإصرار على أن الطريق إلى الصلاة حق، لا امتيازًا مؤقتًا.

وأن الجمعة الأولى، مهما ازدحمت بالعوائق، تظل موعدًا مع معنى أكبر من الحاجز.

في نهاية اليوم، قد تُغلق البوابات.

لكن الذاكرة لا تُغلق، والحق لا يُعاد تعريفه بقرار عبر مكبر صوت.