أجران.. طبريا!
تغريدة الصباح - حسن حميد

صارحت دليلي (عادل زيدان ) حين اختار لنا مكاناً علوياً، في الليل، كي نرى مدينة طبريا من حولنا مضاءة بأنوار السماء والأرض معاً، وكي نرى حيوية الناس الطالبين للهدوء والتأمل، والأحاديث الرائقة، صارحته بأنني دخلت إلى مدينة طبريا ليلاً، وخرجت إليها نهاراً مثل كائن اختطفته يد الرغبة، والفكرة المسيطرة، فلم أر سوى جهة واحدة من البحيرة تشع زرقة، وضوءاً، وبهجة تسر القلب والعين، واعترفت له أنّ مكان مطاردة سيدنا، شغل بالي وحواسي كلها، فأردت أن أرى تفاصيل وحشة المكان وقسوته، وذلك الحنان الذي أبداه شوك الأسيجة المحيطة بالبحيرة كي يخفي سيدنا عن أعين مطارديه، قال دليلي (عادل زيدان): نعم، وقد أردت أن اختطفك أيضاً من داخل السرداب الشوكي، المعتم، المخيف، لأنّك، وما إن جلست قرب الحجر الطويل الأسود، وسألتني إن كان سيدنا قد جلس هنا منتظراً انتهاء المطاردة، فقلت لك نعم! حتى تحولت إلى طفل أضاع أمه في سوق المدينة المزدحمة بالخلق والمخاوف الكثيرة، فبكيت بكاء كاد لا ينتهي، وودت أن تبقى وقتاً أطول، وقد رأيتك تمرغ وجهك بتراب المكان، وتمسح على الحجر بلطف كما لو أنك تمسح وجهاً رحت تتقراه بأصابعك وسط عتمة فضية كابية اللون، قلت: نعم، يا صديقي، كنت مأسوراً، وعلى شوق، لرؤية المكان الذي كان سيدنا يلجأ إليه في كل مطاردة، حين كان مطاردوه يطلبون رأسه، ولم أسألك، في الأمس، أين هي جهة الماء التي كان سيدنا يمشي فوقها بهدوء، وأين هي رقعة الماء التي اختبر سيدنا فوقها إيمان أبناء (لاوي)، حين دعاهم إلى المشي فوق سطح الماء مثله، قال (عادل زيدان)، أنت لم تكن في الأمس ممتلكاً لحواسك، وقوة جسدك، وقدرتك على الإبصار، وقد قلت لك كلاماً كثيراً، وأشرت إليك أن تنتبه، ونحن في القارب، أن سيدنا، مشى هنا فوق الماء، قرب طيور البط السابحة المطمئنة، ولم تنتبه إلى قولي، لأنّ سرب طيور البط السابحة أخذتك مني فسألتني: كيف لا نتعلم نحن البشر من فضائل صداقة هذه البطات ذات اللون الأسود الكامل، مع البطات ذات اللون الأبيض الكامل، وبعضها يرافق بعضها الآخر في السباحة، والأكل، وعشق الماء! وقلت لك انتبه، هنا، كان سيدنا يتمتم، فيتكاثر السمك ويتدافع، ويكاد يطير فوق وجه الماء، وهنا كانت شباك أولاد (لاوي) وأبيهم، ومن معهم، تمتلئ بالأسماء الجميلة، ذات الالوان الزاهية، وقلت لك: انظر يا (توماس بالك)، إلى حركة هذه الأسماك، وقل لي، هل هي في فرح أو حزن، وما كنت تجيب، كنت تتلمس مواضع الأشواك التي علقت في ثيابك من مكان جلوسك في السرداب المعتم.
قلت، وكأنني بدأت أعي، وأرتب أفكاري: وماذا سنرى غداً من هذه الأمكنة المضيئة التي، ها هي، تشع فرحاً راح يملأ قلبي، قال: عليك أن تختار بين مكانين، إما مدينة طبريا، لترى بيوتها الحجرية السود، المزنرة بالبياض الصراح، وأسوارها، وحدائقها، وورودها، وقناطرها، ولتشرب (القرفة) الطبرانية في إحدى شرفاتها العالية، وتأكل من حلوياتها المشهورة ذات الطعوم اللذيذة، وتستمع لأحاديث الناس عن حبهم وعشقهم لها، أو أن تذهب إلى التلال المحيطة بـ (طبريا)، وإلى الأودية التي جاورتها، لتكون روافد لنهر الأردن طواعية، فترى البراري، والحقول، والمزارع، والروابي التي امتلأت بقطعان الماشية من غنم وماعز وأبقار، وطيور، ولتسمع أنغام نايات الرعيان المذهلة في عزفها البديع، قلت: أرجوك، يا صديقي (عادل زيدان)، دعني من البيوت، فأنا سأراها، وكما أخبرتني، راكباً في عربة جر، ستطوف بنا في شوارع طبريا، وأسواقها، ونرى الناس وهم يعيشون الحياة مشياً، وأسئلة، وتأملا، ونعي ايقاعات المدينة وصخبها، وما تقوله ألسنة المارين بها، أنا أقترح عليك أن تأخذني إلى براري طبريا.
نعم، كان اختياري طمأنينة لقلبي، وخطواتي، ويقظة لعقلي الذي شغلته أسئلة البراري الممتدة أمامي الآن، ها إنني أرى حقول القمح، وقد اصفرت، لكأنها صفائح ذهب مصهور راح يموج محمولاً على كف هواء هادئ رزين، وأرى حقول السمسم، وما كنت أعرفها، تباهي حقول القمح بصفرتها النادرة، وإلى جوارها امتدت حقول ورد، كنت قد رأيت ما يشبهها، في الطول والاتساع، في ألمانيا، وهولندا، ولكن هذه الحقول، هنا، مختلفة في ألوان وردها، وأطوالها، وروائحها، وعديد سواقي الماء التي تماشيها، وكثرة النساء اللواتي يحزمن باقاتها الساحرة؛ هنا جمال إلهي رمته يد السماء في هذا الصباح، جمال لا تمله العين، ولا ترتوي منه نفس، ولا يلحق به خيال، إنها حقول ورد تعلوها أسراب من النحل الأشقر الذي يبدو في اجتماعه، كما لو أنه سحابات من غيوم!
وحين ندنو، ندنو من بناء حجري أسود مهيب، يقف مثل قلعة، هنا في منحدر هذا الوادي المتسع لكل شيء، للأشجار، والنباتات، والأعشاب، والنساء، والأطفال، وقطعان الماشية، والطيور، والحيوانات، وعربات الجر. قلت: لصديقي (عادل زيدان)، ما هذه القلعة الحجرية، قال: معصرة زيت الزيتون. قلت: أهنا يعصر الزيتون؟ قال: قديمًا، كان الزيتون يعصر هنا، وهذه الدروب المتعددة الهابطة من فوق إلى داخل هذا الوادي، هي دروب العربات، والحيوانات التي كانت تحمل أكياس الزيتون إلى المعصرة، وهذه، انظر هناك، هي مرجة العشب التي كان الناس يجلسون فوقها منتظرين عصر زيتونهم، قلت: والآن، هل يعصر الزيتون هنا؟ قال: لا، لقد دخلت الآلات الحديثة، منذ منذ وقت بعيد، قلت: وهل نستطيع رؤية المعصرة من الداخل؟ قال: نعم، فهبطنا إليها. بدت المعصرة لي، بناء حجرياً مذهلاً، يشير إلى خارقية متعددة الوجوه، خارقية في القوة، والتفكير، والذكاء، والعمران فكل شيء مدروس، ومرتب، ومنظم، هذا هو دولاب حجري هائل، يقف إلى جوار عمود حجري هائل أيضاً، الدولاب الحجري يدور حول العمود، فوق حجارة دائرية هائلة الحجم، تحيط بها قنوات دائرية، هي القنوات التي يصب فيها زيت الزيتون المهروس، وفي البعيد حجارة دائرية أيضاً، بعضها يأخذ برقاب بعض، كانت تدور، كما قال لي (عادل زيدان) مثل دوائر الساعة بوساطة الماء الهابط نحوها بقوة من علوة شديدة الانحدار، وهذه الدائرة الحجرية الواسعة جداً، هي بحيرة الزيت التي تحيط بها العتبات والمصاطب، وقال لي: هذه الطاسات النحاسية التي تراها، هي الطاسات التي كانوا يغرفون بها الزيت من البحيرة، وتلك المراتب البعيدة البهيجة المنظر والقماش، هي فرش ووسائد، كان الناس يجلسون فوقها، وهم يرون المزاريب تصب الزيت في البحيرة الحجرية، وقال لي دليلي (عادل زيدان) انظر، يا (توماس بالك) إلى تلك البيوت الوسيعة ذات القناطر العالية، إنها مستودعات تخزين أكياس الزيتون، التي كانت تنتظر دورها في العصر، وبجوارها مستودعات الزيت الذي امتلأت بالأوعية والأواني، وتلك المذاود الوسيعة كانت تملأ بالتبن ليكون طعاماً للحيوانات التي تجر العربات.
ومشينا، فقادني دليلي (عادل زيدان) إلى منطقة أجران المياه الكبريتية الدافئة والساخنة معا، إنها أجران حجرية خرافية حقا، لم أر مثلها في حياتي، تكاد تشكل باجتماعها وتجاورها قرية حجرية ساحرة لأجران يعلوها بخار كثيف، بياضه أشبه بالدخان الشفيف، نعم، كان رأي دليلي (عادل زيدان) صائبا، حين دعاني للاغتسال بمائها، وقد ترددت، فأنا لم أعرف راحة لجسدي مثل هذه الراحة التي عشتها داخل أحد هذه الأجران الحجرية، فنعمة الدفء، ونعمة الرواء، وسحر الماء، وخدر الاسترخاء، عالم قد لا أصادفه في مكان آخر، لقد أحسست بأن الجرن الحجري يشبه في لدونته، طراوة الماء، والماء يشبه، في تموجاته، تموجات البخار الفضي الذي لا تدري إن كان معلقاً فوق الجرن، أو أنه هابط نحوه، أو أنه صاعد لمكان يقصده، أو أنه جزء من طبيعة المكان، نعم، أعترف، بأنني لو لم أعش هذه الساعة الفريدة داخل هذا الجرن الوسيع، وسباحتي فيه، وغسل جسدي بنباتات النعناع البري التي أخذت حزمهاالصغيرة مناولة، لكنت كمن لم يزر طبريا، كما قال لي دليلي (عادل زيدان).
حين تركنا الأجران خلفنا، كنت كائنا آخر في خفتي ورشاقتي، اتبع(عادل زيدان) الذي يناديني: هيا، تعال إلى شاي طبريا! فتبعته، وجلسنا فوق كراسي قشية مريحة، وجاء الشاي الياقوتي. يا إلهي.. أي مذاق هذا، لهذا الشاي اللذيذ، وأي مكان حجري هذا الذي اختلطت حجارته وتماهت بالخشب، والاسفنج، والقماش، والألوان، في هذا المكان الفسيح الطويل الذي يماشي الحيطان الطويلة العالية لهذا المقهى، وأي رسوم هذه التي زينت النوافذ، والقناطر، والسقوف، وأي سجاجيد بهارة، في ألوانها ونقوشها، تدلت زينة، فغطت الحيطان، وأي قناديل نحاسية بهيجة أنيسة بأنوارها، هي التي تعلونا، وقد راحت، على مهل، تتأرجح فوقنا مثل قلائد خرز.. يضيء!.