عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 16 شباط 2026

من الزينة إلى الادخار.. معدن ثمين يتحول إلى ملاذ استثماري للفلسطينيين

الفضة تنافس الذهب.. خيار محدودي الدخل في زمن التقلبات

 

*صائغ: الإقبال ارتفع بنسبة غير مسبوقة مؤخراً… والسبائك تتصدر المشهد

*خبير اقتصادي: الفضة استفادت من الطلب الصناعي وتقلبات الدولار والاستثمار فيها يجب أن يكون بحذر

*ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الفضة: السيناريو الإيجابي يرجح عودة الأسعار للارتفاع بعد فترة تصحيح

 

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- شهدت أسواق المعادن الثمينة في الآونة الأخيرة موجة صعود لافتة في أسعار الفضة، أعادت هذا المعدن العريق إلى دائرة الضوء بعد سنوات بقي فيها في ظل الذهب.

فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار الضغوط التضخمية، وتذبذب أسواق الأسهم والعملات، بدأ المستثمرون يبحثون عن أدوات تحوط أكثر مرونة وأقل كلفة، لتبرز الفضة كخيار يجمع بين صفة "الملاذ الآمن" والسعر المقبول مقارنة بالذهب.

الفضة، التي لطالما ارتبطت بالصناعات الحيوية من الطاقة الشمسية إلى الإلكترونيات، تستفيد اليوم من معادلة مزدوجة: طلب استثماري متزايد مدفوع بالمخاوف الاقتصادية، وطلب صناعي قوي يعزز من أساسياتها السعرية. هذا التداخل بين البعد الاستثماري والصناعي يمنحها زخما إضافيا، ويدفع كثيرين إلى إعادة تقييم مكانتها في المحافظ الاستثمارية، لا سيما صغار المدخرين الذين يجدون في أسعار الذهب المرتفعة حاجزا أمام الدخول إلى سوق المعادن الثمينة.

فهل تتحول الفضة فعلا إلى ملاذ آمن بديل لمن لا يستطيع اقتناء الذهب؟

 

مواطنون يراهنون على المعدن الأبيض  

في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الذهب، اتجه بعض المواطنين إلى بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة، وهي الفضة.

أبو أحمد من مدينة نابلس، موظف في القطاع الخاص، واحد من هؤلاء الذين قرروا دخول سوق الفضة مؤخرا، ليس بدافع الزينة، بل كخيار ادخاري طويل الأمد.

يقول أبو أحمد: "كنت أتابع أسعار الذهب منذ سنوات، لكن مع القفزات الأخيرة أصبح من الصعب علي شراء حتى قطعة صغيرة، وبدأت أبحث عن بديل يحفظ قيمة مدخراتي، فوجدت أن الفضة خيار منطقي، خاصة مع الحديث عن ارتفاع الطلب عليها عالميا".

وينظر أبو احمد للفضة كاستثمار طويل الأجل، مؤكدا انه لا يتوقع تحقيق ربح سريع، لكنه يراهن على ارتفاع قيمتها مع الوقت.

وهو لا يضع جميع مدخراته في الفضة، بل يتعامل معها كجزء من خطة ادخار متنوعة، ويشعر أنها أفضل من إبقاء المال مجمدا دون عائد.

تعكس تجربة أبو أحمد توجها متناميا بين شريحة من صغار المدخرين الذين وجدوا في الفضة بديلا واقعيا للذهب، يجمع بين القدرة على الشراء وإمكانية تحقيق عائد مستقبلي، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين.

 

الإقبال ارتفع بنسبة غير مسبوقة

يرى أبو سامر المصري، صاحب محل فضة في مدينة نابلس وأحد الصاغة المخضرمين، أن سوق الفضة يشهد تحولا جذريا مقارنة بالسنوات الماضية، سواء من حيث حجم الطلب أو طبيعة المشترين.

ويشير إلى أن الإقبال على الفضة ارتفع بنسبة كبيرة، مدفوعا بتوسع استخداماتها في المجالات الطبية والتكنولوجية، إلى جانب توجه المواطنين نحو ادخار السبائك وتفضيلها في الزينة نظرا لانخفاض سعرها وجدواها الاستثمارية على المدى الطويل مقارنة بالعملات الورقية.

ويؤكد أن الفضة لم تعد معدنا ثانويا يقتصر على الزينة، بل أصبحت خيارا استثماريا ينافس الذهب.

كما يلفت إلى تغير الثقافة الاستهلاكية، إذ بات كثيرون ينظرون إلى الفضة كخيار اقتصادي قادر على حفظ القيمة وتحقيق عوائد مستقبلية، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار الذهب، ما دفع شريحة واسعة ممن لا يستطيعون شراءه إلى التوجه نحو الفضة كبديل مناسب.

وينصح أبو سامر المواطن بدراسة السوق جيدا، والشراء من مصدر موثوق، وألا يتوقع أرباحا فورية.

يقول:" الفضة خطوة تدريجية لبناء أمان مالي في المستقبل"، مؤكدا أن الفضة كانت تعد معدنا مهمشا، والإقبال عليها محدود ويقتصر غالبا على بعض المشغولات البسيطة، ولم تكن تحظى باهتمام استثماري حقيقي كما هو الحال اليوم.

 

قفزة في الطلب المحلي

وعلى مستوى السوق المحلية، يشير إلى أن الإقبال شهد قفزة لافتة خلال الفترة الأخيرة.

يقول أبو سامر: "نستطيع القول إن الطلب ارتفع أضعافا مضاعفة مقارنة بالسابق إذا كانت مبيعات الذهب اليومية لدينا تقارب 100 غرام، فإن مبيعات الفضة قد تصل إلى نحو 2000 غرام يوميا وهذا فارق كبير يعكس تغير سلوك المستهلك."

ويعزو هذا التحول إلى عاملين رئيسيين: ارتفاع أسعار الذهب من جهة، وترسخ قناعة لدى شريحة واسعة من الناس بأن الفضة أصبحت ملاذا آمنا موازيا للذهب.

"الناس باتت تنظر إلى الفضة كمعدن يحفظ القيمة، أفضل من الاحتفاظ بالأموال نقدا، خاصة في ظل تقلبات العملات والتضخم". يقول أبو سامر.

 

السبائك أولا… والادخار قبل الزينة

وعن طبيعة الطلب، يوضح أن السبائك هي الأكثر مبيعا حاليا، متقدمة على المشغولات والإكسسوارات. "المشغولات عليها أجور تصنيع قد تعادل أحيانا قيمة الخام، لذلك من يفكر بالادخار أو الاستثمار يتجه مباشرة إلى السبائك، سواء كانت بالأونصات أو بالكيلوغرامات أو حتى الليرات الفضية".

ويؤكد أن كثيرا من الزبائن يشترون السبائك بهدف التخزين طويل الأجل وتحقيق ربح مستقبلي، ولديهم قناعة واضحة بأن الفضة قابلة للارتفاع مستقبلا، لذلك يحتفظون بها لسنوات.

 

نظرة مستقبلية متفائلة

وعن توقعاته، يعبر أبو سامر عن تفاؤله بمستقبل المعدن الأبيض، قائلا: "برأيي الفضة ستبقى خيارا أفضل من الاحتفاظ بالأموال الورقية على المدى الطويل.

ويختم بنصيحة موجهة لمن لا يستطيع شراء الذهب: "الفضة خيار مناسب ومتدرج، سواء على شكل سبائك أو ليرات أو حتى مشغولات. الأهم أن يكون الشراء من مصدر موثوق، وأن يكون الهدف ادخاريا طويل الأجل".

 

الفضة استفادت من الطلب الصناعي وتقلبات الدولار

يعزو الخبير المصرفي والمستشار المالي محمد سلامة تقلبات أسعار الفضة خلال الفترة الأخيرة الى ثلاثة عوامل رئيسية تداخلت معا وأعادت المعدن الأبيض إلى واجهة الاهتمام الاستثماري.

ويقول سلامة إن العامل الأول يتمثل في تصاعد الطلب الصناعي العالمي على الفضة، خاصة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، مثل الشرائح الإلكترونية (الشيبس) والأسلاك والمكونات الدقيقة، إضافة إلى استخداماتها في مجالات تقنية متطورة. ويشير إلى أن هذا الطلب، ولا سيما من الصين، عزز من مكانة الفضة كمعدن صناعي أساسي، وليس فقط كأداة ادخار.

أما العامل الثاني، فيرتبط بضعف الدولار خلال الأشهر الماضية، ما دفع المستثمرين إلى التوجه نحو المعادن الثمينة بشكل عام، وليس الفضة وحدها، فقد سجل الذهب والبلاتين والبلاديوم والفضة ارتفاعات متسارعة خلال الأشهر الستة الأخيرة، في ظل مخاوف من تراجع قيمة العملة الأميركية.

ويلفت سلامة إلى أن العامل الثالث تمثل في حالة القلق في الأسواق، سواء المرتبطة بالسياسات الأميركية أو بالتوترات الجيوسياسية، التي ساهمت في تعزيز الإقبال على المعادن كملاذات آمنة.، لكن مع انكشاف بعض الغموض السياسي وتراجع حدة التصعيد في ملفات دولية عدة، تغير المزاج الاستثماري، ما دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح، خاصة بعد الارتفاعات الكبيرة التي تحققت.

وينصح بالادخار المتأني في المعادن الثمينة لحماية رأس المال بعيدا عن الاندفاع العاطفي خلف الأسعار المرتفعة.

 

الفضة بين الارتفاع والتصحيح

وبعد أن تخطت أسعار الفضة 107 دولار للأونصة، تراجعت لتصل الى 72 دولارا للأونصة.

يشير سلامة إلى أن ما شهدته الأسواق مؤخرا يدخل في إطار التصحيح الطبيعي بعد موجة صعود قوية. ويرى أن الفضة قد تتعرض لمزيد من التراجع قبل أن تستقر عند مستوى سعري واضح، ومن ثم يتحدد مسارها اللاحق.

ويؤكد أن استمرار الطلب الصناعي العالمي، إلى جانب أي توترات مالية أو تراجع محتمل في أسعار الفائدة الأميركية خلال عام 2026، قد يدعم بقاء الفضة ضمن مسار متماسك، مع قابلية للارتفاع مجددا إذا استمرت العوامل الداعمة. أما في حال تلاشي هذه الأسباب، فقد تعود الأسعار إلى مستويات أدنى وأكثر اعتدالا.

 

الاستثمار في الفضة… بين النظرية والواقع المحلي

وعن الإقبال على شراء سبائك الفضة بغرض الادخار، يرى سلامة أن الفكرة من حيث المبدأ منطقية، إذ إن الاحتفاظ بمعدن ثمين قد يكون أفضل من الاحتفاظ بالسيولة النقدية في أوقات التقلبات. لكنه يشدد على ضرورة الانتباه إلى عدالة التسعير في السوق المحلية، وضعف سلاسل التوريد التي قد تجعل اقتناء السبائك محليا مكلفا وغير مجد للمضاربة السريعة.

ويشرح سلامة أن أسعار الفضة في بعض الأسواق قد تكون أعلى من السعر العالمي بسبب تكاليف الشحن والضرائب وشح المعروض، ما يرفع كلفة الشراء ويقلل هامش الربح المستقبلي. وفي ظل محدودية الكميات المتوفرة محليا، فقد لا تعكس الأسعار دائما القيمة الحقيقية للمعدن في الأسواق العالمية.

كما يلفت إلى أن السوق المحلية ليست سوقا صناعية تعتمد على الفضة كمادة إنتاج، بل يتركز الطلب فيها على الادخار والمضاربة، ما يجعل توفر المعدن وكلفته مرتبطين بعوامل العرض والطلب أكثر من كونهما انعكاسا مباشرا للسعر العالمي.

 

الفضة والذهب… علاقة ترابط لا انفصال

ويؤكد سلامة أن حركة الفضة ترتبط إلى حد كبير بحركة الذهب، إذ أن ارتفاع الذهب غالبا ما يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل أقل سعرا، فتكون الفضة الخيار التالي. كما أن اتساع الفجوة السعرية بين المعدنين يشجع على التحول نحو الفضة، ما يدعم أسعارها.

ويشدد على أن الاستثمار في الفضة، كما في الذهب، يجب أن يكون بهدف الحماية والادخار طويل الأجل، لا بدافع المضاربة السريعة أو الانجرار خلف موجات الارتفاع المتأخرة. ويضيف: "من يملك فائض سيولة يمكنه تخصيص جزء بسيط منها للمعادن، لكن من غير الحكمة وضع كامل المدخرات في أصل واحد، خاصة عند مستويات سعرية مرتفعة".

ويختم بالتأكيد أن المعادن الثمينة تبقى أداة للتحوط وحفظ القيمة في أوقات عدم اليقين، لكن القرار الاستثماري يجب أن يبنى على قراءة واعية للسوق، وتقدير لحجم المخاطر، وتوقيت مدروس للدخول.

 

ملاذ الفقراء ونصيحة بالابتعاد عن "الليرة"

يؤكد المحلل الاقتصادي ثابت أبو الروس أن الفضة تعد خيارا مناسبا لأصحاب الدخل المحدود الذين لا يستطيعون شراء الذهب، لذلك توصف بأنها “ملاذ الفقراء” مقارنة بالذهب.

ونوه أبو الروس انه رغم تذبذب الفضة الورقية عالميا يظل سعر الفضة الحقيقية محليا مرتفعا لزيادة الطلب ومحدودية المعروض. ومن يشتري يحتفظ بما يملك ولا يعيد البيع، إضافة إلى محدودية الاستيراد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق الفعلي مقارنة بأسواق التداول.

وأشار الدكتور أبو الروس الى الفروقات الجوهرية بين الأونصة المادية والفضة الورقية، مشددا على أفضلية اقتناء السبائك ذات النقاوة العالية والابتعاد عن العملات الفضية "الليرة" لتجنب الخسارة المالية عند البيع.

وتحدث أبو الروس عن أنواع رئيسية للفضة، مشيرا إلى أن أفضلها للاستثمار هي الفضة التي تحمل رقم "أربع تسعات"، إذ ينصح باقتنائها. تليها الفضة من عيار "ثلاث تسعات"، وهي أقل طلبا. أما الفضة التي تحمل رقم “9370” فلا ينصح بشرائها، بسبب عزوف التجار عن إعادة شرائها من المستثمرين.

وأوضح أن هناك فرقا كبيراً بين أونصة الفضة وليرة الفضة، حيث يفضل شراء الأونصة، في حين لا ينصح بالليرة بسبب التذبذب الكبير في سعرها، ما قد يعرض البائع لخسارة ملحوظة عند إعادة البيع.

وتحدث أيضا عن ما يعرف بـ“الفضة الورقية”، وهي التي يتم تداولها عبر منصات الاستثمار والمضاربات الدولية. وبين أن هذا النوع من التداول لا يكون فعليا، إذ يستطيع المستثمر بمبلغ صغير أن يتداول بأضعافه، وهو ما أسهم في الهزة المالية التي شهدها السوق منذ اسبوعين.

أشار أبو الروس إلى أن الأنواع المختلفة من الفضة متوفرة في فلسطين، إلا أن الطلب يتركز بشكل أكبر على الفضة ذات الجودة الأعلى. كما تتوفر الأونصات وليرات الفضة، بينما يمكن الاستثمار في الفضة الورقية عبر منصات تداول معتمدة لدى الجهات الرسمية المختصة.

 

التوقعات للفترة المقبلة

طرح أبو الروس ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الفضة: منها السيناريو الإيجابي: عودة الأسعار للارتفاع بعد فترة تصحيح، وهو السيناريو الذي يرجحه. والسيناريو المعتدل: استمرار التذبذب بين الارتفاع والانخفاض ضمن نطاق محدود. والسيناريو السلبي: احتمال تراجع الأسعار، وهو احتمال لا يرجحه في ظل التوترات السياسية القائمة.

وأوضح أن العوامل الجيوسياسية، خاصة التهديدات السياسية والعسكرية، تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والفضة، مؤكداً أن القرارات السياسية غالباً ما يكون تأثيرها أكبر من السياسات الاقتصادية.

وتبقى الفضة حاليا ملاذا آمناً إلى جانب الذهب، وهي خيار مناسب لأصحاب الدخل المحدود بسبب انخفاض قيمتها مقارنة بالذهب.