عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 شباط 2026

كفى شعارات.. غزة لم تعد تحتمل

د. حكمت نبيل المصري*

لنكن صريحين إلى الحدّ المؤلم: القرار لم يعد فلسطينياً خالصاً. غزة اليوم ليست ساحة "إدارة مقاومة" بقدر ما هي ساحة إدارة أزمة دولية مفتوحة. المعابر تُدار بشروط الآخرين، الإعمار مشروط برقابة الآخرين، والتمويل مربوط بتعهدات أمنية يفرضها الآخرون. هذه ليست مبالغة، بل توصيف واقع.

في هذا السياق، لم تعد البندقية عنوان قوة كما كانت تُقدَّم، بل تحوّلت – بحكم النتائج لا النوايا – إلى عبء سياسي وإنساني. عبء لأن ثمنها لم يعد يُدفع في ميادين القتال فقط، بل في البيوت المهدّمة، وفي الخيام، وفي قوائم الانتظار على المساعدات، وفي مستقبل جيل كامل خرج من التعليم إلى الفراغ.

المشكلة ليست في مبدأ المقاومة، بل في حساب الكلفة والعائد. عندما تصبح الأداة سبباً مباشراً في تعطيل إعادة الإعمار، أو ذريعة جاهزة لتشديد الحصار، أو مبرراً لإبقاء غزة تحت وصاية أمنية واقتصادية، فإن الاستمرار في المسار ذاته لا يكون ثباتاً بل تجاهلاً للواقع.

غزة اليوم ليست في لحظة استعراض قوة، بل في لحظة إنقاذ وجود. الناس لا تبحث عن خطابات تعبئة، بل عن بيت، عمل، ماء، كهرباء، أمان. المجتمع الذي استُنزف إلى هذا الحد لا يحتمل تجارب جديدة تحت عنوان “الجولة القادمة”.

الحقيقة القاسية أن أي مقاومة لا تحمي مجتمعها تفقد معناها. البندقية التي لا تستطيع منع الانهيار الكامل، ولا تفتح أفقاً سياسياً، تتحول من أداة ضغط إلى ورقة تستعملها الأطراف الدولية لإدارة المشهد على حسابنا.

وهنا بيت القصيد: إنقاذ ما تبقى ليس تنازلاً، بل أولوية أخلاقية ووطنية. على حماس – باعتبارها الفاعل الأبرز في غزة – أن تدرك أن التمسك بشكل الصراع السابق قد لا يكون شجاعة، بل مخاطرة بمستقبل مجتمع كامل. التعاون مع أي ترتيبات تضمن إعادة الإعمار واستقراراً طويل الأمد ليس انكساراً، بل قراءة واقعية لموازين القوى.

لسنا أمام خيار بين "مقاومة" و"استسلام". نحن أمام خيار بين إدارة سياسية تنقذ الناس، أو استمرار مسار أثبت أنه يقود إلى دورة دمار جديدة. غزة لا تحتمل دورة أخرى.

المسؤولية اليوم ليست في إثبات من كان على حق، بل في منع الانهيار القادم. وأي قيادة لا تضع بقاء المجتمع فوق رمزية السلاح، تخاطر بفقدان شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية.

كفى شعارات.. غزة تحتاج قراراً شجاعاً يقدّم حياة الناس على منطق المغامرة.

------------

* صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات