عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 شباط 2026

سبّورة داخل الخيام.. من يحمي الحق؟

حبر على جمر- لما عوّاد

في خيمة مؤقتة في قطاع غزة، تجلس طفلة أمام سبّورة مهترئة، تمسك دفتراً صغيراً، وتحاول أن تفهم درسًا في عالم لم يعد مفهومًا. المشهد يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه في جوهره يلخّص واحدة من أعمق أزمات هذه المرحلة: كيف تحوّل التعليم من حق أساسي إلى مبادرة إنسانية طارئة، تُمارَس تحت الخيام بدل الصفوف.

ما نراه اليوم في غزة ليس نموذجًا بديلًا للتعليم، بل محاولة إسعافية لحماية ما تبقّى من الطفولة. فالمساحات التعليمية التي تُقام داخل الخيام، بدعم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لا تعوّض المدارس المدمّرة، ولا تنهي آثار الصدمة، لكنها تؤدي دورًا بالغ الأهمية في منع الانقطاع الكامل عن التعلم، وفي توفير حدٍّ أدنى من الاستقرار النفسي للأطفال الذين يعيشون نزوحًا متكررًا وفقدانًا يوميًا.

في هذه السياقات، لم يعد التعليم مرتبطًا بالمناهج فقط، بل أصبح فعل بقاء. فكل درس يُعقد، وكل نشاط تفاعلي يُنفّذ، هو محاولة لإبقاء الأطفال داخل إطار الحياة الطبيعية، في وقت تُنتزع منهم مقوماتها واحدة تلو الأخرى.

غير أن خطورة هذا الواقع تكمن في تطبيعه؛ حين يصبح التعليم في الخيام أمرًا يُتعامل معه كإنجاز بحد ذاته، بدل أن يُنظر إليه كدليل على فشل جماعي في حماية حق أساسي.

ومن منظور أوسع، تكشف هذه المشاهد عبئًا غير عادل يُلقى على عاتق المؤسسات الإنسانية.  فالأونروا، التي يُفترض أن تكون جهة إغاثة مؤقتة، باتت تؤدي أدوارًا تتجاوز ولايتها، في ظل غياب أي أفق سياسي أو التزام دولي حقيقي بضمان حقوق المدنيين، وفي مقدمتها حق الأطفال في التعليم الآمن والمستقر.

لا يمكن فصل التعليم في غزة عن السياق السياسي الذي أنتج هذا الواقع. فالأزمة ليست إنسانية فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لاستمرار العنف، وتدمير البنية التحتية، وغياب المساءلة. ومع ذلك، يُترك الأطفال لمواجهة النتائج، بينما يُدار المشهد الدولي بمنطق إدارة الكارثة لا إنهاءها.

 إن الإصرار على مواصلة التعليم داخل الخيام يحمل وجهين متناقضين: هو من جهة شهادة على صمود الناس والمؤسسات العاملة، ومن جهة أخرى اتهام صريح لعالمٍ سمح بأن تتحول الخيمة إلى فصل دراسي، وبأن يُختزل الحق في التعليم إلى استجابة طارئة.

في النهاية، لا ينبغي الاحتفاء بالتعلّم تحت الخيام كقصة أمل فقط، بل التعامل معه كنداء عاجل. نداء يذكّر بأن التعليم ليس امتيازًا يُمنح في الظروف الجيدة، بل حقٌّ يجب حمايته، خاصة حين تسوء الظروف. وما لم تُعالج الأسباب الجذرية التي أوصلت أطفال غزة إلى هذا المشهد، ستبقى السبّورة في الخيمة رمزًا لفشل العالم أكثر مما هي علامة على نجاته.