صفد..!
تغريدة الصباح-حسن حميد

رغب دليلي (عادل زيدان) أن يعطيني فكرة عن مدينة (صفد) التي طلبت زيارتها، فرجوته ألا يفسد عليّ متعة الفرجة، وبكورية الرؤية، والشوق لمعرفة الجمال وتذوقه من دون شرح، فقال: الكلام، يا سيد (توماس بالك)عتبات ليس إلا! قلت: الأمكنة بعتباتها يا صديقي، ودع الحديث في جراره، كي لا يفسد التوقع لو استعدناه مرة أخرى.
قال: إذًا، هيا إلى ( صفد)، فقلت: هيا.
ها هي البيوت القمرية تبدو لنا من بعيد، إنها أشبه بالطيور الملونة التي اجتمعت في قمة الجبل العالي، سألت (عادل زيدان) أهذه هي (صفد)؟ قال : نعم، إنها حاضرة الجليل الفلسطيني، وكتابه الثقيل، ومدونته المدنية التي أرخت للمعرفة، والقيم، وتاريخ الحرف اليدوية، والصناعات، والأسواق، والمشافي، والحدائق، المدينة التي جعلت كل منتج زراعي صناعة وتجارة، مثلما جعلت الدروب آمنة، والكهوف والمغر مستودعات للحبوب، ودور العبادة دنيا للتجاور المنادي بالمحبة والسلام، وجعلت المدارس (للذكور والإناث) مجلبة للعلم، واستدعاء للمستقبل. قلت: وما اسم هذا الجبل الذي احتشدت البيوت فوق قمته كالزينة، قال: (كنعان) وعلوته تقدّر بـ 900 م، وذاك الجبل الأعلى ارتفاعاً، انظر، إنه جبل (الجرمق) وعلوته تزيد على 1208 أمتار، قلت: إنه جبل أسود بلا اشجار! قال: لا، إنه جبل مهيب بخضرته الداكنة التي تبدو من بعيد سواداً، قلت: وهل نحن في شمال المدينة، قال: نعم، نحن في جهتها الشمالية، وهذه العمارة الدانية منا هي قلعة (صفد) التي أرعبت الجيوش وقادتها، انظر إلى سورها الطويل الدائري الذي يلتف حولها بطواعية كما لو أنه دثار، ودقق في أبراجها الأربعة العاليات، وحجارتها الكبيرة الثقيلة، وتخيل الحبال الغليظة التي رفعتها إلى هذا العلو المخيف، وانظر إلى اللوحات الكبيرة المنحوتة على السور المهول، قلت: إنني أراها بكل حواسي، لكن، هذه النوافذ العلوية البادية لنا، أهي نوافذ رقابة؟ قال: نعم، الآن تأكدت بأنك قرأت شيئاً عن (صفد)، لذلك أرجوك، أوقفني إن أسهبت في الحديث، ودعني أتكلم عن ما لا تعرفه فقط.
أجل، كان دليلي (عادل زيدان) صادقاً، فأنا أحمل في جعبتي، مع شرابي وطعامي، وأوراقي، كتيبات سياحية تخص البلدات والمدن الفلسطينية، إنها معلومات أشبه بالمصائد، وقد وقعت فيها منذ أن زرت مدينة القدس، وبيت لحم، ولكن لا غنى لي عن معلومات دليلي (عادل زيدان) لأنه يتحدث عنها بلغة فيها كل حواسه ومحبته، ويمنحني معلومات أنا بحاجة إليها، لأنها ليست سياحية، لذلك طلبت إليه أن يوقف السيارة هنا، قرب هذا العريش الخشبي الجميل لنشرب القهوة مواجهة للقلعة البادية أمامنا بكل تفاصيلها، إنها عمارة ذات مهابة وجلال، رأيت الحجم الدائري المخيف حقاً لأبراجها، وغابة الصنوبر التي تحيط بها من جهاتها الثلاث، ورأيت الناس يدخلون إليها وهم في نشاط وحبور، قلت: سامحني يا (عادل زيدان) ، وعرفني بالمدينة رجاءً. فنهضنا، ركبنا السيارة، وانطلقنا، فأحاطت بنا أشجار زهرها أبيض، لا أوراق لها، أشجار تباكر أهلها بالزهر لا بالأوراق الخضر، قلت: أهذه أشجار لوز، يا (عادل زيدان)؟ قال: نعم، أترى هذا الجمال؟ قلت: إنها فستان أبيض لعروس، قال: اسمها (صفد)، قلت: وكيف زرعت هذه الأشجار، صديقي، ومن أين تبدأ من قمة الجبل أم من سفوحه. قال: أهل (صفد)يسمون هذا السفح غابة اللوز، ولا أحد يعرف من أين تبدأ الغابة، وأين تنتهي.
نقترب من البيوت، فعلاً إنها قمرية، فهذا الضحى ينثر فوقها أنواراً من ضيائه، إنها تتلامع راهجة بدروبها، ونوافذها، وأبوابها، وأسطحتها القرميدية، ومداخنها الضخمة العالية التي تبدو مثل أبراج، وزجاجها مرايا عاكسة لكل ما يواجهها، وعرائش العنب، شديدة الخضرة واللمعان، تغطي قناطر البيوت، و كذلك.. عرائش الورد تتدلى مثل الستائر من فوق الشبابيك العالية الوسيعة ذات القضبان الحديدية البيضاء، ندع السيارة ونمشي، وصوت (عادل زيدان) يتعالى: هيا، نحن في حارة عائلة الأسدي، انها قلعة محصنة، تسكن بيوتها الآن عائلات إسرائيلية، انظر، هنا لا دروب تقود إلى البيوت، هنا أدراج تحيط بنا وتدور، وتهبط بنا أو تصعد لنرى جمال العمران، وترف الزخرفة، وسحر الحدائق، وكيف تصير الحجارة نعمة من نعم الجمال، وكيف تلتوي النباتات، والأشجار، والأزاهير، وتلتف حول الحجارة ليصير كل ما نراه لوحة ناطقة بخرافة الجمال ودهشاته المتوالدة التي تستوقفنا بين مكان وآخر، وبين بيت وآخر، وبين مصطبة وأخرى، وبين حديقة وحديقة، وبين بوابة وأخرى، لكأن البوابات كتب منشورة للقراءة، فنقف أمامها كي لا تفتك بنا الدوخة، فترمينا، هذه البيوت التي أراها، تبدو في عناق صباحي جميل، تمر به روائح القهوة فتمشي في الحارات وتجول! وتبدو البيوت، ورغم طرازها المعماري الواحد، وحجارتها ذات اللون النوراني الواحد، ومساحاتها الواسعة المتشابهة، متميزة في اختلافها، وإلا لماذا نواقفها لو كانت متشابهة، أقول لـ(عادل زيدان) يا صديقي أين دروب هذه المدينة وأين ساحاتها، وأين شوارعها الوسيعة؟ فيقول لي هذه البلدة قلعة، مثل جمجمة الرأس، رغم تعدد الحارات، فالدروب هنا أدراج صاعدة، وأخرى هابطة، وأسأله، وهذه الدوائر الحجرية يا صديقي، ما هي؟! قال: إنها الدوائر التي تحيط بالآبار، والينابيع، وهي كثيرة في الحارة الواحدة، قلت: ألا نشرب منها؟ قال: طبعاً، ورأيته يتقدم من بوابة خشبية، لها صاج نحاسي وسيع تملؤه المسامير، وحلقة نحاسية كبيرة واسعة، أخذها بيده، وقرع البوابة بها، فأطلت امرأة، تلبس ثوباً مورداً، قال لها: أنا وصديقي (توماس) زائران، نود أن نشرب من البئر، فابتسمت، ودعتنا إلى الدخول، سألت (عادل زيدان) أهي فلسطينية؟ قال فلسطينية، وفوق الكراسي الخيزرانية الوسيعة المجدولة الموزعة في حديقة البيت، جلسنا، فجاء رجل بلباس رسمي، ورحب بنا، وسألنا، وسألناه، وشربنا من ماء البئر، وأكلنا من التمر الدائري الطيب، وقطع النارنج الطويلة مثل الأصابع، وشربنا قهوة لم أذق مثلها من قبل، فسألت المرأة صاحبة الثوب الوردي: أهذه قهوة فقط، قالت: إنها قهوة صفدية مسحورة، ولم تقل لي ماذا أضافت إليها حتى بات طعمها لذيذاً على هذا النحو العجيب.
يوم طويل ممتلئ ببهجة آسرة، وسحر ماشانا في جميع حارات (صفد)، وشرح طويل شائق، سرده دليلي (عادل زيدان) ، الذي أخبرني بأن هذه المساحة الواسعة لمعرض الصور واللوحات التي رأيناها، هي مساحة المسجد (اليوسفي) الذي عمره ألف سنة، وقد دمر، والمئذنة الوحيدة التي تدور حولها الطيور هي ما بقي من مسجد (الخفاجي)، وهذا السراي الكبير الواسع الذي يتقدمه برج الساعة متعدد الطبقات، هو عمران أهالي (صفد)أيام الدولة العثمانية، وهذا النهر المهول الذي مررنا به ليس نهراً واحداً، بل هو أربعة أنهر آتية من الجبل الأشيب، وتمر جميعها بـ (صفد) وتصب في نهر الأردن، وهذه الحارة خرافية الجمال هي حارة (المغاربة) الذين جاؤوا من الأندلس سنة 1492 وقد عمروا بيوتهم وفق طرز بيوت مدن قرطبة، وغرناطة، ودمشق، وهنا في هذه العرائش الكثيفة، كان يهبط ويطير الحمام الزاجل حاملاً البريد من الشام إلى مصر! قلت لدليلي (عادل زيدان)، ونحن نستدير، أي بلاد هذه، فهذه ليست مدينة لها بيوت، بل هي مدينة لها قلاع، فقال: لهذا ..سميت (صفد) !
مواضيع ذات صلة