عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 شباط 2026

بعد السابع من أكتوبر: إسرائيل تنتقل من "إدارة الصراع" إلى عقيدة "القوة المفتوحة والمفرطة"

د. رمزي عودة

 

قدمت حرب السابع من أكتوبر 2023 مبرراً قوياً لاسرائيل لكي تعيد صياغة نظرية الامن القومي لديها. هذه المقامرة العسكرية التي أقدمت عليها حركة حماس بعيداً عن حسابات العقلانية العسكرية والسياسية قد وفرت لاسرائيل بيئة خصبة للتحول من مقاربة "إدارة الصراع" التي روّجت لها إسرائيل بوصفها بديلًا عملياً عن الحلول السياسية، الى مقاربة " القوة المفتوحة والمفرطة"، وهي عقيدة تقوم أساسا على مفهوم القوة بوصفها الحل لفرض الوقائع دون الحاجة الى تسويات سياسية.

قبل السابع من أكتوبر، كانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية – كما يظهر في تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي– ترى أن التهديد المركزي يتمثل في إيران، وأن الجبهة الفلسطينية يمكن احتواؤها عبر أدوات اقتصادية ومالية وأمنية محدودة. ولم يكن الهدف حل الصراع مع الفلسطينيين، بل إدارته بأقل تكلفة، ومن دون تقديم أي التزام حقيقي بحل الدولتين. ولهذا جرى الترويج لبدائل مشوّهة: حكم محلي موسّع، ترتيبات انتقالية مفتوحة، أو كيانات فلسطينية بلا سيادة.

في غزة، بلغت هذه المقاربة ذروتها عبر سياسة احتواء حماس: تسهيلات مالية محدودة، تخفيف جزئي للحصار، فتح مجالات التمويل الخارجي مقابل ردع عسكري يُفترض أنه كافٍ لمنع الانفجار. وفي النتيجة، فإن السابع من أكتوبر لم يكشف فقط فشل حركة حماس في حسابات التكلفة والمنفعة، ولكنه أيضاً كشف فشل سياسة نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي في احتواء قطاع غزة، وفي مقدمة نتائج هذه السياسات الفاشلة تدمير قطاع غزة بالكامل وقيام اسرائيل باحتلال أكثر من نصف القطاع.

في الواقع، إن صدمة السابع من أكتوبر لم تدفع إسرائيل إلى مراجعة سياسية، بل إلى مراجعة عسكرية معاكسة. فبدل التساؤل عن أسباب الانفجار، أو عن ثمن إنكار الحقوق الفلسطينية، ذهبت المؤسستان الامنية والسياسية الإسرائيليتان إلى الوصول الى استنتاج واحد، وهو أن  المشكلة ليست في غياب الحل، بل في "نقص القوة". وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي في نظرية الأمن القومي.

إن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر تعبر عن انتقال واضح من الردع إلى العقاب المفتوح والجامح، ومن إدارة المخاطر إلى السعي لفرض السيطرة بالقوة المفرطة المباشرة. فلم تعد القوة أداة ضمن منظومة، بل أصبحت المنظومة نفسها. وحرب الإبادة على غزة ليست استثناءً، بل انها تعكس التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التحول: تدمير شامل، إعادة احتلال عملي، وإصرار على منع أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني المستقل.

الأمر لا يقتصر على غزة. فوفق التحليلات الإسرائيلية نفسها، باتت فكرة التمركز العسكري طويل الأمد، أو إعادة إنتاج الاحتلال بأشكال مختلفة، خياراً و"مقبولا" ضمن التفكير الأمني. وبالضرورة، فإن اسرائيل تبدو بأنها عادت إلى منطق ما قبل أوسلو، ولكن بثقة عسكرية أعلى، وحساسية أقل تجاه القانون الدولي أو الرأي العام العالمي.

ثمة عوامل واضحة دفعت إسرائيل إلى هذا الاتجاه. أولها، قراءة السابع من أكتوبر بوصفه جزءاً من مواجهة إقليمية مع محور تقوده إيران، ما سمح بتسويق الحرب على غزة كجزء من "حرب وجودية" أوسع. ثانيها، شعور متزايد بأن إسرائيل قادرة على الاندماج إقليمياً ودولياً دون حلّ القضية الفلسطينية، كما أثبتت اتفاقيات أبراهام التي صمدت رغم مجازر الابادة في القطاع. ولكن العامل الأكثر خطورة يتمثل في تصاعد القوة العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. التفوق الجوي، والتقدم الاستخباراتي والسيبراني، وتوسّع الصناعات العسكرية، وارتفاع صادرات السلاح، كلها عزّزت قناعة داخل المؤسسة الأمنية بأن القوة قادرة على تعويض السياسة، وأن فرض الوقائع أقل كلفة من التفاوض.

وفي الخلاصة، يمكن القول إن إسرائيل، بعد السابع من أكتوبر، لم تتعلّم درس حدود القوة، بل تعلّمت درس الإفلات من العقاب. لقد انتقلت من إدارة الصراع إلى إدامته بالقوة، ومن البحث عن الاستقرار إلى فرضه بالقهر والبطش. هذه العقيدة قد تمنح إسرائيل تفوقاً عسكرياً مؤقتاً، لكنها تزرع في الوقت نفسه شروط انفجارات أكبر، وتدفع المنطقة بأكملها نحو مستقبل أكثر عنفاً وأقل استقراراً، وأبعد ما يكون عن أي سلام عادل أو دائم.