المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية
حبر على جمر لما عواد

على التلة المقابلة لقرية الخضر جنوب بيت لحم، تنمو المستوطنة كل ليلة. حرفياً، كل ليلة. الكرفانات تُنصب، الأضواء تُشعل، الطرق تُمد. يستيقظ الفلسطيني ليجد أن أرضه أصبحت أقرب إلى المستوطنة، أو بالأحرى، المستوطنة أصبحت أقرب إليه. جار لم يخترْه، لا يريده، مفروض عليه بقوة السلاح.
الحياة في ظل المستوطنة واقع يومي ملموس، كابوس مستمر من التهديد، المضايقات، والشعور الدائم بأن الأرض تنكمش تحت قدميك، وأنك تُطرد ببطء من حياتك . أحمد، مزارع في الأربعينيات، يملك أرضاً ورثها عن جده. لم يعد يصل إليها إلا بتصريح أمني، لأن المستوطنة المجاورة صُنفت "منطقة عسكرية مغلقة". الطريق التي كان يسلكها كل يوم أصبحت للمستوطنين فقط. الآن، عليه أن يدور ساعتين للوصول إلى أرض تبعد عشر دقائق. وحين يصل، إن حصل على التصريح، يجد المستوطنين يقطعون أشجاره، يسممون آباره، يعتدون عليه إن احتج.
هذا ليس استثناء، بل قاعدة. في مسافر يطا، في الخليل، في نابلس، في كل مكان توجد فيه مستوطنة، تجد الحكاية نفسها بتفاصيل مختلفة: أرض تُصادر، شجر يُقتلع، مياه تُحول، حواجز تُنصب، حياة تُحاصر. المستوطنة ليست مجرد مبانٍ على تلة، بل هي مشروع ممنهج لتفريغ الأرض من أهلها، ببطء، بصمت، بعنف قانوني وفعلي.
يكبر الأطفال الفلسطينيون في ظل المستوطنة، لا كجيران، بل كشهود على سرقة زمنهم ومكانهم. التلة التي كانت يوماً مسرحاً لضحكاتهم وملاذاً لطائراتهم الورقية، استيقظوا ليجدوها خلف أسلاك شائكة، وقد تحولت بفعل القوة إلى "ملكية خاصة" لغرباء. حتى الطريق إلى مقاعد الدراسة لم يعد درباً للعلم، بل ممراً محفوفاً بالمخاطر، حيث يتربص بهم اعتداء مستوطن أو صرخة جندي، الصغار يتعلمون دروس "الجيرة القسرية" قبل أن يتقنوا القراءة؛ يتعلمون كيف يعيشون في حالة تأهب دائم، إنها طفولة لم تُسرق بالحروب التقليدية فحسب، بل بمشروع إحلالي يسعى لمحو وجودهم النفسي والمادي قبل أن يشتد عودهم.
المستوطنات تُغيّر الجغرافيا بشكل جذري. الضفة الغربية أصبحت أشبه بقطع أرخبيل منفصلة، تحيط بها المستوطنات من كل جانب. الطريق من رام الله إلى نابلس، مسافة 50 كيلومتراً، قد تستغرق ساعات بسبب الحواجز والتفافات الطرق لتجنب المستوطنات. الجغرافيا لم تعد طبيعية، بل سياسية، مُعاد تصميمها لخدمة المشروع الاستيطاني.
والأخطر من ذلك، المستوطنات تخلق واقعاً ديموغرافياً جديداً. في القدس، أصبح المستوطنون يفوقون الفلسطينيين عدداً في أحياء كانت فلسطينية بالكامل. في الخليل، المستوطنة في قلب المدينة القديمة تحولت إلى قلعة عسكرية، تُغلق الشوارع، تُخلي المحلات، تحول المدينة إلى مدينة أشباح. هذا ليس تعايش، بل إحلال، استبدال سكان بآخرين.
المفارقة المؤلمة في أن هذه المستوطنات التي تلتهم الأرض هي "كيانات لقيطة" في عرف القانون الدولي. فمن مجلس الأمن إلى أروقة محكمة العدل الدولية، توصف هذه الأبنية بأنها انتهاك صارخ للمواثيق العالمية ومع ذلك، تظل هذه القرارات مجرد "حبر على ورق" في مواجهة الواقع المفروض بقوة السلاح.
العيش بجوار مستوطنة عيش حياة في حالة طوارئ مستمرة. أن تخاف كل يوم من أن تستيقظ لتجد أرضك صودرت، بيتك هُدم، طريقك أُغلق. أن تعيش كغريب في أرضك، بينما الغريب الذي جاء من نيويورك أو موسكو يُعامل كصاحب الحق.
المستوطنات أيضاً فضحت زيف "عملية السلام". كيف تتفاوض على دولة بينما الأرض تُلتهم أمام عينيك؟ الاستيطان لم يكن يوماً "عقبة أمام السلام"، بل كان دائماً أداة لمنع السلام، لخلق وقائع على الأرض تجعل الانسحاب الإسرائيلي مستحيلاً.
اليوم، يوجد أكثر من 750,000 مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يتوزعون على أكثر من 180 مستوطنة و250 بؤرة استيطانية. هذا ليس مجرد رقم، بل واقع يُعاش كل يوم، تهديد يكبر كل ليلة، مشروع استعماري يتقدم بلا توقف. والسؤال لم يعد "هل سيتوقف الاستيطان؟"، بل "كيف سنقاوم حتى نوقفه؟"
الجار الذي لا نختاره، المستوطنة التي تنمو على حسابنا، الأرض التي تُسرق ببطء - هذا واقعنا اليومي. لكنه ليس قدرنا المحتوم. التاريخ يُثبت أن المشاريع الاستعمارية، مهما بدت قوية، تنتهي. المستوطنات اليوم تبدو راسخة، لكنها مبنية على الظلم، والظلم لا يدوم. قد يطول الزمن، لكن الأرض في النهاية تعود لأهلها. هذا ما يؤمن به كل فلسطيني يواجه المستوطنة المجاورة كل صباح، ويقرر رغم كل شيء أن يبقى.