هل نضبط خطانا.. ورؤانا!
تغريدة الصباح حسن حميد

كانت مناسبة سانحة لإثارة مثل هذا النقاش الحار والجدي والمنطقي حول تراكمات ثقافية لم نجد لها الحلول والمخارج حتى الآن، كي نتخلص مما فيها من حط لقيمة النقاش، والحوار، واستخلاص النتائج، والوصول إلى قناعات مشتركة، وكما هي في واقع الأمر من دون مغالطات أو تحوير، ومن دون انغماس أو تبعية لما يقوله الغرب عن آدابه وثقافته وفنونه معاً، وكي نصل، ولو بعد فوات عشرات السنين، إلى رأي يمثلنا في وجهة النظر تجاه تلك الآداب والثقافات الغربية وفنونها، كأن نقول رأينا حول ما كتبه شكسبير (1564-1616) لا أن نكرر ما قاله نقاد الغرب حول الأدب الشكسبيري، أو أن نقول رأينا في ما كتبه دانتي (1265-1321) أو رأينا في ما كتبه كافكا( 1883-1924) أو ما كتبه جيمس جويس (1882-1941)، أو ما كتبته فرجينيا وولف(1882-1941)، أو أن نقول رأينا في الرواية الأهم في تاريخ الغرب (دونكيشوت) لـ سرفانتس (1547-1616)، وذلك لأنه من المعيب نقدياً وثقافياً، أن نظل على( مثلبة) تقفينا لما يقوله الغرب فنقول قولته بحذافيرها، من دون أن يكون لنا رأي مخالف او مختلف، مخافة من سطوة الكلام، أو سطوة الأقلام والعقول، أو مغامرة الاختلاف.
كان النقاش الذي دار بيننا، نحن اهل الثقافة، يقف عند ما قاله المحاضر عن رواية (عوليس) لـ جيمس جويس الذي لم يأت بجديد لأنه يكرر كل ما قاله نقاد الغرب، بما فيهم نقاد الأدب في الولايات المتحدة الأمريكية، فقال إن رواية (عوليس) هي أهم رواية في تاريخ الأدب الغربي التي كانت حداً فاصلاً ما بين تاريخين لسيرورة الرواية الغربية، والعالمية أيضاً، لأنها جاءت بالجديد المنتظر، كما قال المحاضر، على صعد عدة، ومنها الموضوع، وطريقة الكتابة، والجرأة في توظيف ما هو عادي ونافل في الحياة داخل النص الادبي، والحق إن هذا الكلام، وهذا الرأي ليس للمحاضر، بل هو لنقاد الغرب الذين امتدحوا الرواية إلى حد الغلو، وأنّ هذا الكلام ظل رائجاً ومتواتراً إلى هذه الساعة، وقد أخذنا به وتبنيناه من دون أن نقرأ الرواية، ونقلّبها على وجوهها لنعرف أسلوب كتابتها، ونعي ما فيه من جماليات أو هفوات وثغرات، وأن ندرك مرامي موضوعها الذي اختاره جيمس جويس للمعالجة الروائية.
موضوع الرواية لمن لم يقرأها، هو الحديث عن أسرة يهودية، أبرز أفرادها بلوم (الأب) ومولي( الأم)، وزمن الرواية الفيزيائي هو يوم واحد فقط، يعاش في دبلن الايرلندية، ويمثل ذكرى لقاء جيمس جويس بزوجته نورا التي تزوجها في الواقع، وهو في مغتربه الباريسي، بعد أن ترك بلاده في إيرلندا (دبلن) ليعمل في أعمال شتى، منها الترجمة، وتدريس اللغة الإنكليزية للطلبة الفرنسيين. وأسلوب كتابة الرواية هو أسلوب تيار الوعي والتداعي الحر للأفكار الذي أجاد فيه ثلاثة من كتاب الغرب، هم الروائي الفرنسي آلان روب غرييه (1922-2008)، والروائي والمسرحي الايرلندي صمول بيكت()، والكاتبة الانكليزية فرجينيا وولف، هذا الأسلوب الذي تجلى أيضاً في عالم الشعر، نتيجة الدعوات المتكررة لمغادرة أساليب السرد والشعر الكلاسيكية، والدعوة إلى أن تكون الحرية هي من يحضر في النص الأدبي، وأن كل قيد، ونمط، واتجاه قديم مرفوض كي تعم الحرية، إبداعا، في الآداب والفنون كلها.
رواية عوليس، تتجلى بعد قراءتها، بأنها رواية ذات وظيفة واضحة، تقولها رؤيا جيمس جويس، مثلما تقولها صفحاتها، فهي تريد حضور البطل السوبرمان بعد الحرب العالمية الأولى، وقبيل الحرب العالمية الثانية، وهذا البطل سيكون منقذاً للعالم، وهو بطل يهودي عانى من الظلم والعسف وسوء التقدير في المجتمعات الغربية، والمجتمع الروسي أيضاً، وأن له الحق في استخدام كل الوسائل من أجل الوصول إلى الغايات التي يستهدفها حتى لو كانت هذه الوسائل شائنة وغير إنسانية، ولا أخلاقية، فالزوجة (مولي) تعمل في أقدم مهنة رخيصة في الدنيا، فهي تتباهى بانتقالها من فراش لآخر، وزوجها (بلوم) يعرف ذلك، وهو مسرور بذلك لأن هذا الانتقال والشناءة المرافقة له، هما من جعل( الزوجة) مشهورة ومعروفة. وقد أراد جويس، خلق بطل اسطوري حديث يساوق البطل الاسطوري لـ( أوذيسة) هومير.
والابن، ابن (بلوم)، ليس من المؤكد هو ابن بلوم، وهذا ما تقوله الأم (مولي) التي أرادته أن يكون ابناً لرجل عاشرته، لأنه صاحب عقل وفطنة. أما أحلام الرواية فهي أحلام (بلوم) و(مولي) والعائلة اليهودية كلها، بالذهاب إلى (حيفا) و (يافا)، و(طبريا)، وزراعة( البرتقال) و(الشمام)، و(البطيخ) هناك، وشراء الأراضي، وبناء القرى الجديدة، وهنا المفاجأة في هذه الرواية، إذ ما علاقة هذه الأسرة التي نرى طيوف علاقتها بالمجتمع الإيرلندي حيناً، وبالمجتمع الفرنسي حيناً آخر، بالأمكنة الفلسطينية، ولماذا هذه الأمكنة الفلسطينية هي أحلام أفراد هذه الأسرة؟ لا أحد من نقاد العرب، ولا من قرائهم، ذكر هذا أو أشار إليه، ولم يذكر أحد أن (نورا) زوجة جيمس جويس هي يهودية أيضاً. فهل فرضت هذه الزوجة (نورا)، أو أوحت لجيمس جويس أن يكتب حلماً يهودياً لعائلة يهودية، عائلة (مولي) و(بلوم) بالأراضي الفلسطينية؟ كل هذا لم يقله المحاضر الذي استمعنا إلى محاضرته حول رواية (عوليس) لجيمس جويس، ولا النقاد والقراء الذين اطلعوا على الرواية، بل لم يقل مترجم الرواية هذا أو يشير إليه، بل لم يشر أحد إلى أسباب الدعاية التي صاحبت صدور الرواية ونشرها في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها رواية (إباحية)!
بقي من القول إن جيمس جويس كتب الرواية طوال عشر سنوات من 1904 (سنة موت هرتزل) إلى عام 1914، ولم تطبع إلا في عام 1922 ، وقد أثيرت ضجة إعلامية كبرى حولها في الولايات المتحدة الأمريكية، وأخذت إلى المحاكمة، ثم كانت البراءة، ثم نالت شهرة عالمية لم تعرفها رواية غربية من قبل، وقد قال فيها نقاد الغرب كلاماً يقال عادة في الأحجار الكريمة، و من المؤسف، أننا مشينا وراءهم في القول والمصادقة عليه، من دون أن نقرأ الرواية، ونعرف ما فيها، وهذا جهل استمر منذ مئة سنة، ولم نقل كلمة الحق فيه بعد، فهل نكف، وقد مر ماء كثير كدر من تحت الجسر، عن تقفي خطا أصحاب الرؤى الظالمة، وأن نعي غايات خطانا، ونضبط مساراتها، كي لا تأخذنا إلى الأودية التي تكمن فيها الضباع؟!