عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 24 كانون الثاني 2026

في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول

مهيب البرغوثي

ها هي ذكراك الأربعون تمر لتزيدني حسرة وحزنا على فراقك. ماجد لم يكن صديقا ورفيقا عابرا في حياتي، بل كان واحدا من أولئك الذين يتركون أثرا لا يمحى، عرفته بعد عودتي إلى الوطن في بداية الألفية الثانية، ومنذ اللقاء الأول كان واضحا أنني أمام إنسان مختلف: شاعر، نعم، لكن قبل ذلك إنسان كريم النفس، نقي السريرة.

عرفت في ماجد الكرم قبل أن أعرف الشعر، والأخلاق قبل الكلمات، كنا نلتقي بشكل شبه يومي في مقهى رام الله، وكان دائم الضحك، رغم كثرة ما مر به من متاعب ومشاكل. لم يكن يكشف ألمه، بل كان يواجه الحياة بابتسامة لا تفارقه، محاولا أن يخفف عن الآخرين، لا أن يثقلهم بما يحمله في داخله. كان يرى في الضحكة مقاومة، وفي الكلمة الطيبة خلاصا مؤقتا من قسوة الأيام، فصار حضوره بلسما لمن حوله.

ماجد كان صديق التفاصيل الصغيرة؛ يعرف كيف يصغي، وكيف يمنح الوقت والاهتمام دون تكلف، لم يكن شاعرا يكتب ليقال عنه شاعرا، بل كان يكتب لأنه لا يعرف طريقا آخر للتعبير عن صدقه الإنساني، قصيدته كانت امتدادا لروحه: بسيطة، عميقة، وصادقة كما كان هو.

في مقهى رام الله، تشاركنا أحاديث طويلة عن الوطن، عن الحلم، عن الخيبات التي لا تنتهي. وكان ماجد، رغم كل شيء، أكثرنا تمسكا بالأمل. كان يؤمن أن هذه الأرض تستحق أن نحبها رغم وجعها، وأن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين.

اليوم، في ذكراك الأربعين، أشعر أن الغياب أثقل من أن يحتمل، وأن الأماكن التي جمعتنا فقدت شيئا من دفئها.

رحلت باكرا يا ماجد، لكنك تركت فينا ما يكفي لنقاوم هذا الفراغ: ذكريات صادقة، ومحبة خالصة، وأثرا لا يزول.

كان ماجد واحدا من أضواء رام الله.. لم تكن المدينة بالنسبة له مكانا فقط، بل كانت مسرحا للحلم، ومساحة للكتابة، وحياة كاملة عاشها بصدق.. برحيله، تفتقده المدينة، وتفتقده المقاهي، وتفتقده الوجوه التي اعتادت ضحكته وحضوره.

يمضي الأصدقاء واحدا تلو الآخر، ويتركوننا نحرس ذكرياتهم، نحمل أسماءهم في قلوبنا، ونحاول أن نواصل الحياة بما تبقى من أصواتهم وضحكاتهم وكتبهم.

أما ماجد، فسيبقى كما عرفته دائما: شاعرا، كريما، وإنسانا نادرا… وضحكة لا تنطفئ.

رحمك الله رحمة واسعة، أيها الصديق والشاعر والإنسان النبيل، وجعل ذكراك نورا لا ينطفئ في قلوب من عرفوك وأحبوك.