عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 17 كانون الثاني 2026

باسم موسى.. يحرس جمال فلسطين بعدسةٍ تدون الحكايا بالضوء

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لا تبدو صور الحياة البرية التي يلتقطها باسم موسى مجرد لقطات عابرة لطائر يحلّق أو غزال يركض؛ إنها تشبه لوحاتٍ تُرسم بضوء الفجر وصبر المكوث خلف الأشجار، وتحمل شيئًا من روح فلسطين التي يحاول الرجل أن ينقذ ما تبقى من جمالها من بين أنياب التغيّرات القاسية.

من بلدة دير بلوط غربي سلفيت، حيث تنفتح السهول على أفقٍ من الزيتون والينابيع، وُلدت علاقة موسى بالطبيعة. هناك، وفي الرابعة عشرة، حمل أول كاميرا في حياته، وراح يتجول بين الجبال كمن يكتشف العالم للمرة الأولى. كانت الصورة يومها وسيلة لتوثيق اللحظة، لا لالتقاط الجمال، حتى أدرك لاحقًا أن الجمال ذاته هو الرسالة.

يقول موسى لـ "الحياة الجديدة": إن بدايته الحقيقية مع تصوير الحياة البرية كانت عام 2010، حين بدأت عينه تتسع لما وراء المشهد الطبيعي. بعدها بسنوات قليلة، وتحديدًا في 2017، كرّس عمله للحياة البرية إلى جانب توثيق المعالم الفلسطينية والتراثية. ما شجعه على ذلك معرفته منذ الصغر بأسماء الطيور علميًّا وشعبيًّا، إضافة إلى شغفه بالطبيعة الذي دفعه للتفكير بنقل هذا الجمال "إلى كل إنسان يحب الحياة وما فيها من تنوع".

تحوّل السرد البصري عند باسم موسى إلى بحثٍ علمي؛ بدأ يتابع الطيور من لحظة تزاوجها إلى بناء أعشاشها، يراقب سلوكها وطعامها وحركتها، ويكتب قصتها بالصورة. ففلسطين، كما يقول، في سياق حديثه لـ "الحياة الجديدة"، تقع في قلب واحد من أهم مسارات الهجرة في العالم، حيث تمرّ مئات الأنواع من الطيور، ويستوطن بعضها ويعشش خلال مواسم مختلفة.

لكنّ هذا الجمال محاصر. جزء كبير من المناطق الطبيعية بات عصيًا على الوصول بسبب الحواجز أو السيطرة الاستيطانية التي حولت الينابيع إلى منتجعات، ومنعت المصورين من الاقتراب. بعض الطيور والحيوانات – كالشنار والغزال- باتت مهددة بالانقراض بسبب الصيد الجائر وضياع البيئات الطبيعية.

يواجه موسى والمصورون العاملون في هذا المجال مضايقات متواصلة. احتُجز مرات، وتعرض للاعتقال عام 2019 بحجة تصوير الجدار والمستوطنات، يقول "أحيانا يتم احتجازنا ساعات، ويقوم جنود الاحتلال بفحص الكاميرات وحذف الصور، نتعرض لسؤال دائم: لماذا ولمن تصور؟".

مع ذلك، يشعر موسى أن أثر عمله يصل أبعد مما توقع. المتابعون يراسلونه يوميًا، بعضهم يستعيد ذكريات طفولته مع الطيور، وآخرون يبلغونه عن صيادين يعتدون على الحياة البرية. هذا التفاعل منحه شعورًا بأن ما يفعله "يدغدغ ذاكرة الناس" ويحرضهم على حماية الطبيعة.

يصرّ موسى على أن توثيق الطبيعة ليس مجرد شغف شخصي، بل هو "رسالة صمود" تعرّف العالم على معالم فلسطين وكهوفها وينابيعها وقراها المهجرة. ويسعى مع مجموعة من المصورين لإظهار هذه الأماكن قبل أن تُطمس أو يُعاد تشكيل روايتها.

ورغم صعوبة الوصول إلى بعض المواقع، يحمل دائمًا عدة كاميرات وعدسات مختلفة، يختارها تبعًا للمشهد. بعض الصور تُلتقط في ثوانٍ، لكن صورًا أخرى تحتاج ساعات أو يومًا كاملًا، خاصة عند تصوير الطيور الخجولة التي لا تظهر إلا لحظات قصيرة.

حلمه اليوم أن يواصل ما بدأه قبل عقود: أن يصل للعالمية، وأن يخرج في مسارات تصوير في أفريقيا والعالم، وأن يقيم معرضًا كبيرًا يضم أعماله في كل فلسطين. لكنه يدرك في الوقت نفسه أن مستقبل الحياة البرية مهدد بسبب التوسع الاستيطاني الرعوي الذي يبتلع كل يوم المزيد من الأراضي الطبيعية.

لذلك يقدم نصيحته للجيل الجديد من المصورين: "احموا الطبيعة، لا تزعجوا الطيور أثناء التصوير، قدّموا الرسالة العلمية بصدق، ولا تجعلوا السوشيال ميديا هي الهدف. الصورة مسؤولية قبل أن تكون جمالًا."

وبين عدسةٍ تتنقل من سهل إلى آخر، وطائرٍ يهرب من رصاصة صيّاد، وذكرى تعود للمكان كلما مرّت صورة، يواصل باسم موسى دوره كمؤرخ بصري للطبيعة الفلسطينية، يحرسها بالصبر والضوء، ويمنحها صوتًا لا يمكن لأحد أن يصادره.