عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 17 كانون الثاني 2026

حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل

مهيب البرغوثي

ليست الكتابة تحت الحرب ترفا، ولا فعلا ثقافيا مؤجلا، بل قد تكون آخر ما يتشبث به الإنسان كي يظل إنسانا. في كتابها ذاكرة العدوان، لا تكتب بيسان نتيل يومياتها بوصفها تسجيلا للأحداث، بل بوصفها محاولة نجاة من محو شامل، ومن اختزال الإنسان إلى رقم في نشرات الأخبار.

صدر الكتاب عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله، ضمن مشروع “يوميات غزة”، ويقع في نحو 89 صفحة، لكنه يحمل ثقل حياة كاملة كتبت تحت القصف، وبين أصوات الطائرات وأزيز الموت اليومي.

لا تقدم نتيل سردا صحفيا، ولا تبحث عن حبكة أو ذروة، بل تكتب ما تعيشه: الخوف، الجوع، الأرق، التفكير بالماء، أحلام الأطفال، وصمت ما بعد القصف. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا تدخل عادة كتب التاريخ، تتحول هنا إلى قلب السرد، وإلى مرآة حقيقية لما تفعله الحرب بالداخل الإنساني، لا بالمشهد الخارجي فقط.

اليوميات في ذاكرة العدوان ليست هامشا زمنيا، بل فصلا من الحياة. فالزمن نفسه ينهار تحت الحرب؛ لا أيام واضحة، ولا فواصل مطمئنة بين صباح ومساء. كل يوم يشبه الذي قبله، وكل تفصيل بسيط يكتسب ثقلا وجوديا مضاعفا. وهكذا، لا تبدأ اليوميات بسؤال: ماذا حدث؟ بل بسؤال أكثر إيلاما: كيف نعيش بينما يحدث كل هذا؟

تكتب بيسان نتيل لا لتؤرخ العدوان، بل لتنجو منه. الكتابة هنا فعل بقاء، ومحاولة للإمساك بالذات قبل أن تذوب في ضجيج الأخبار وأرقام الشهداء. اليومي يصبح المساحة الوحيدة التي تقول فيها الكاتبة: أنا هنا، ما زلت إنسانة، لا مجرد رقم.

ما يميز هذا الكتاب أيضا أنه لا يقدم “أنا” معزولة، بل “أنا” يمكن قراءتها بوصفها “نحن”. فاليوميات، رغم شخصيتها، تتحول إلى ذاكرة جماعية، وإلى شهادة عن تفكك الحياة اليومية، وعن الإبادة والنزوح والخسارات المتراكمة التي يعيشها مجتمع كامل.

لا تحاول نتيل أن تكون بطلة، ولا تزين الألم بلغة شعرية متكلفة. قوتها في بساطة السرد وصدقه، في لغة قريبة من النفس، مشحونة لكنها غير مصطنعة، وكأنها تقول للقارئ: هذه ليست رواية، هذه حياتي كما حدثت.

في مواجهة السرديات الكبرى، يأتي ذاكرة العدوان كذاكرة مضادة؛ ذاكرة إنسانية، هشة، لكنها حقيقية. يوميات لا تنافس الخبر، بل تفضحه، لأنها تكشف ما لا يستطيع قوله: ماذا تفعل الحرب بالروح، وبالزمن، وبفكرة الحياة نفسها.

ذاكرة العدوان ليس كتاب يوميات عابرا، بل شهادة على لحظة يصبح فيها اليومي قدرا، وتصبح الكتابة مسؤولية أخلاقية. إنه فصل من فصول الذاكرة الفلسطينية المعاصرة، يكتب بالوجع، ويقرأ بوعي لا يملك ترف النسيان.