الجسد في زمن الحرب
مهيب البرغوثي

لم يكن جسدي يوما ملكي بالكامل، رغم أنني حلمت طويلا أن يكون حرا، بلا أوامر ولا قيود. اليوم أدرك أن الجسد، في زمن الحرب، يتحول إلى سجل للأحداث، صفحة تكتب بالرصاص أكثر مما تكتب بالكلمات
لا أعرف متى اخترقت الرصاصة الأولى الجزء الخلفي من رأسي. لا أتذكر المكان ولا اللحظة. الذاكرة نفسها أصيبت. كل ما أعلمه أنني كنت في خندق، أجلس قرب صديق ظننت أنه سيكون آخر ما أراه حيا
حين انهار الخندق بقذيفة طائشة، التفت لأطمئن عليه. لم يكن هناك أحد. بعدها بلحظة، شعرت بالألم يخترقني، وبالدم يسيل على جبهتي ويغطي عيني. حاولت أن أرفع يدي إلى رأسي، لكنني لم أستطع. كان الألم ثابتا، كأنه مسمار مغروس في عمق الرأس، ووجهي لم يعد وجها، بل جرحا مفتوحا.
صرخت. لم تكن صرخة طلب نجدة، بل صرخة إثبات وجود. كان لصوتي صدى غريب، أعمق من الظلام نفسه، لكن أحدا لم يجب.
زحفت من تحت الركام محاولا الخروج من الخندق. وعندما أخرجت رأسي، باغتتني رصاصة أخرى. لمحت ظلا فوقي، أو ربما كان خيالا صنعه الخوف، ثم غبت عن الوعي.
استفقت لاحقا، ولا أعرف كم من الوقت مر. كنت ملقى أمام الخندق، جسدا بلا اسم. العطش كان أول إحساس عاد إلي، ثم سمعت صوت الغربان تحوم حولي، كأنها تناقش مصيري قبل أن تحسمه.
لم تكن نهايتي هناك. وجدوني خلال هدنة قصيرة لإجلاء الجرحى ودفن الموتى. في المشفى الحكومي الوحيد في المدينة، كنت مسجى على سرير تحيط به وجوه متعبة. قالت لي الممرضة سلوى لاحقا إنهم ظنوني ميتا، وإن الطبيب كان على وشك نقلي إلى ثلاجة الموتى، لولا أن إصبعا في يدي تحرك فجأة، فأعادني خطوة إلى الحياة.
بدأت بعدها رحلة طويلة مع الجسد. أخرج الأطباء اثنتي عشرة رصاصة من أماكن متفرقة، وبقيت واحدة في مؤخرة الرأس. لم يجرؤوا على إخراجها. قالوا إن الاحتمالات قاسية: إما شلل دائم، أو فقدان البصر. فقررت الرصاصة أن تبقى. صارت رفيقة لا ترى، تذكيرا دائما بما حدث.
بعد أيام، خرجت من المشفى إلى شوارع المدينة. كنت أمشي ببطء، أستمع إلى الريح وهي تمر عبر رأسي، كما تمر في بيت مهجور. المدينة بدت لي شبيهة بي: مثقوبة، صامتة، تحاول أن تتذكر شكلها القديم.
فكرت وأنا أسير: كان يمكن لكل هذا أن ينتهي بطريقة أبسط. كان يمكنني أن أشتري كلبا يدلني على الطريق، ويحفظ أصوات الذين فقدتهم، بدل أن أحملهم في رأسي كرصاص لا يخرج
هذه ليست حكاية نجاة، بل شهادة
شهادة مدينة تسكن الجسد،
وجسد صار مدينة لا ترحم
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين