عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2026

حين يمرّ العام بثقله.. في الذاكرة والغياب والبقاء

مهيب البرغوثي

يمرّ العام بكلّ ثقله، لا كرقمٍ في التقويم، بل كحمولةٍ من الأسماء والوجوه والتجارب التي تتكدّس في الذاكرة حتى تكاد تفيض. ها هم يرحلون تباعًا؛ أرى صورهم تملأ الذاكرة، ويشيرون إلينا من البعيد: إلى اللقاء. كلّهم، كلّهم رحلوا دون استئذان: من الفنان عادل الترتير، الذي نقل المسرح إلى البيت والحارة والشارع، إلى الشاعر الحبيب محمد الدله، الذي مضى وهو ينظر إلى مكتبته بحزن، وشاعرنا الحبيب، الصديق الرفيق، ماجد أبو غوش، والشاعر محمد لافي، والروائي أحمد أبو سليم، والصديق الناشر في القاهرة محمد هاشم والشاعر الحبيب ابن مدينة اللد الشاعر الذي رحل في بيروت أسكندر حبش وحبيبنا المغنى والعازف ذلك الفتى الطيب شاعر الأطفال وضاح زقطان، والدكتور الروائي الذي كان كل ما اجتمعنا في مقهى رام الله سألني: ماذا قرأت؟ وهل هناك كتب جديدة؟ الصديق أحمد حرب الذي لن أنسى ابتسامته أبدا. والعم الشاعر الذي رغم مرضه كان في الشتاء يسأل عني مصطفى خداش أبكيك الآن في هذا الشتاء في ذكراك دفء.

كنت أراهم ولا أصدّق أنّهم سيرحلون؛ كانت الحياة تملأ وجوههم. ثم غاب حارس الرواية الفلسطينية، صاحب فيلم "جنين جنين"، ومقلق نوم الجنود، الفنان الحبيب محمد بكري "أبو صالح"، وشاعر القدس فوزي البكري، ليكتمل عام الحزن برحيل حمزة العقرباوي في مياه النيل

ومع نهاية العام، نكتشف أنّ الذاكرة لم تعد مكانًا محايدًا للحفظ، بل مساحةً مثقلةً بأسماء الأصدقاء الذين مضوا نحو الغياب، وتركوا وراءهم فراغًا لا يُملأ بسهولة

هؤلاء الذين غادروا لم يرحلوا بالمعنى التقليدي للفقد، بل مضوا لأنّ الحياة نادتهم في اتجاهٍ آخر: مدينة أبعد، حلمٌ مؤجَّل، أو تعبٌ لم يعد يُحتمل. غيابهم لا يأتي صاخبًا، بل هادئًا، كإغلاق بابٍ دون وداعٍ طويل، تاركًا لنا تفاصيل صغيرة نعيد تذكّرها كلّما مررنا بأماكنهم أو نطقنا أسماءهم مصادفة

مع كلّ عامٍ جديد، نتعلّم أنّ الغياب ليس نقيض الحياة، وأنّ الحياة لا تموت، لكنها تغيّر شكلها؛ تنتقل من حضورٍ يوميّ إلى ذاكرةٍ دافئة، ومن لقاءاتٍ معتادة إلى طيفٍ يرافقنا في اللحظات الصعبة. تصبح الضحكات القديمة عزاءً، وتتحوّل الصور إلى شهادات على زمنٍ كنّا فيه أكثر جمالًا

غير أنّ الأثقل من الغياب هو أن نصبح أسماءً في ذاكرة غيرنا. أن يمرّ عامٌ ما على شخصٍ آخر، فيكتب عنّا ما نكتبه اليوم عن أصدقائنا. عندها نفهم أنّ البقاء ليس امتيازًا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية: مسؤولية أن نعيش بعمق، وأن نحبّ دون تأجيل، وأن نُمسك باللحظات الصغيرة قبل أن تتحوّل هي الأخرى إلى مادةٍ للحنين.

يمرّ العام، إذًا، لا خفيفًا ولا عابرًا، بل كمعلمٍ قاسٍ يفرض دروسه دون استئذان. يعلّمنا أنّ عددنا في تلاشيٍ تدريجي، وأنّ من تبقّى ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو الحياة نفسها، بكلّ ما فيها من هشاشةٍ وأملٍ وإصرارٍ على الاستمرار.

ويأبى هذا العام أن يمرّ دون أن يمدّ الموت يده إلى راوي الحكاية نفسه؛

ذلك الراوي الذي مضى مع مياه النيل الحبيب، كأنّه عاد إلى أصل السرد،

وترك لنا نحن الباقين أن نكمل تفاصيل الرواية، ناقصة الصوت، مثقلة المعنى

لم يكن غيابه تفصيلًا عابرًا، بل صفحةً ممزّقة من رواية الأرض؛ الأرض التي نُهبت حكايتها كما نُهبت أرضها، والتي ظلّت تحتاج دومًا إلى من يرويها بصدق، لا بوصفها جغرافيا فقط، بل ذاكرةً وجرحًا وحقًّا مؤجّلً

إنّه الشهيد، ابن عقربة، الذي مضى غريقاً في نهر النيل

حمزة العقرباوي

اسمٌ لا يُكتب في سطرٍ عادي، بل يُنقش في متن الحكاية، حيث يصبح الوطن لغة، والغياب موتًا حقيقيًا، والصمت اتهامًا مفتوحًا.

برحيل راوي الحكاية، لا نفقد شخصًا فحسب، بل نفقد شاهدًا كان يعرف كيف يقول ما لا يُقال، ويحمل الأرض على كتفيه كحكايةٍ لا يجوز إسقاطها من الذاكرة.

تركنا أمامنا سؤالٍ قاسٍ؟

كيف نكمل الرواية حين يُغتال الراوي؟

وكيف نحفظ المعنى من التزوير حين يغيب صوته؟

إنه عامٌ الحزن،

مرّ بكلّ ثقله،

وحفر أسماءهم في قلوبنا واحدًا واحدًا،

وتركنا نواصل السير

بذاكرةٍ أثقل،

وستبقى الحكاية حيّة…

مهما غاب رواتها.