عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 03 كانون الثاني 2026

حمزة العقرباوي

الذي علمني معنى الأتربة كالحاضنة العضوية للتعلم والتي غيبها "الحق في التعليم" الذي عنى حق القبيلة الأورو-أمريكية بغزو عقولنا وهزيمتنا من الداخل

د.منير فاشة

من أهم المعلمين في حياتي حمزة العقرباوي، المعلم الرئيسي الآخر إلى جانب أمي التي لم تعرف الأبجدية لكنها عرفتني على رياضيات ومنطق لم ينتبه لهما أباطرة الرياضيات (ك"برتراند راسل" وغيره). لا يمكن مقارنة رياضياتي برياضيات أمي وفق مقياس/ معيار مشترك؛ عالمان مختلفان جذريا. عشت 35 سنة قبل وعيي بأن هناك رياضيات تختلف جذريا عن رياضيات القبيلة الأورو-أمريكية. بعد 36 سنة من وعيي ذاك، نبهني حمزة أن من المستحيل أن يتعلم الإنسان بالعمق دون أتربة. يمكن اكتساب معارف تقنية لكن ليس معارف تحكمها الحكمة. كان وعيي لأهمية الأتربة في التعلم هدية من حمزة لي، وبمثابة صفعة ثانية على وجه "الحق في التعليم" – أخبث ثلاث كلمات قرأتهم بحياتي، وأنا بعمر 85 سنة. كان أكثر شخص عرفني على أهمية الأتربة للتعلم، بدءا بتربة العائلة والحمولة والقرية والجيران والمجتمع، وتربة الأرض والزراعة، و التربة الطبيعية والحضارية والذاكرة الجمعية الحية، والتربة التي تعود لآلاف السنين؛ ذاكرة مليئة بالعافية والحكمة. كانت روح دينه وروح فلسطينه تشعان من عينيه وشفتيه وحركات يديه، وعبر علاقاته مع من وما حوله. فضح في أسلوب حياته وقناعاته، بلاستيكية المعرفة التي تنشرها المستوطنات المعرفية (مدارس وجامعات) جلبتها جاليات القبيلة الأورو-أمريكية لبلاد الشام (والمنطقة عامة). عمل حمزة ضمن مجاورات هي اللبنات العضوية ببنية المجتمع وتحت مظلة الحضارة العربية. جسد حمزة معنى الكرامة على أصعدة شتى: صعيد لغة مكونة من حكايات حية، لا من قواعد وإعراب وتقييم وعقاب؛ وعلى صعيد حضارة جوهرها الحكمة، لا عبر أيديولوجيات تدعي امتلاك حقائق أحادية عالمية؛ وعلى صعيد تذكيرنا أن كل شخص يحمل في صدره حكاية خاصة به، يغيبها التعليم النظامي. ضروري أن تدخل حياة حمزة كقصة توضح معنى التعلم الفطري الذي أباده التعليم النظامي التي لا رديف لها بلسان العرب، لا لضعف فيها، بل لأن الكلمة الانكليزية خبيثة مصممة كأداة للسيطرة على الأهالي في شتى المجتمعات). قصة حمزة يجب أن تدخل كليات التربية بالجامعات العربية وتذكرهم أن لا معنى لتربية وتعلم خارج أتربة حية غنية مغذية متنوعة متعافية. الأتربة جوهر المجتمع وحاضنة التعلم الفطري.

اسمحوا لي أن أسرح أكثر وأؤكد أن الصفوف هي أشبه بحظائر غنم، يحشر فيها الطلبة حيث يجلسوا فيها على مقاعد، عدة ساعات في اليوم على مدى سنوات، ولا يندمجوا بأتربة ولا يتفكروا ولا يجتهدوا في تكوين معنى ومعرفة وبيان. شهادات معرفية جلبتها جاليات القبيلة لبلادنا منذ 150 سنة وصفها لي "غوستافو إستيفا" المكسيكي بأنها تقيس عدد السنوات التي يجلس فيها المرء على قفاه: يجلس 12 سنة ويحصل على شهادة مدرسة، ثم 4 سنوات ويحصل على شهادة بكالوريوس، ثم سنة أوسنتين ويحصل على ماجستير، ثم 3 أو 4 سنوات ويحصل على دكتوراه. جل هذه الشهادات معرفة مكونة من أبجدية وأرقام ورموز، لا علاقة لها بالعالم الحقيقي المكون من أتربة حية، ولا علاقة لها بالحكمة التي شكلت جوهر الحضارة العربية الإسلامية، ولا بسياق ومعنى ومعرفة وفعل وبيان. جدير بالذكر أيضا أن أول كتاب مقرر نشره الاحتلال الانكليزي بفلسطين والأردن كان عنوانه "جغرافية فلسطين"، كان التركيز فيه على مدى التخلف في المنطقة.

سيعيش حمزة في قلوبنا وإدراكنا وأحاديثنا كمعلم رئيسي لنا، خاصة بفلسطين والأردن. أقترح أن تسمى القاعة بمسرح البلد بعمان، التي كانت آخر مكان تحدث فيه حمزة: "قاعة حمزة العقرباوي".

إلى جانب قصص وحكايات، كان حمزة يقدم لي كل سنة بموسم جد الزيتون، هدية عبارة عن قنينة زيت زيتون من أرضه ومن جهده وعمله.

رحم الله حمزة وألهم أهله ورفاق دربه الصبر والسلوان؛ رحل عنا بجسمه ولكن سيبقى معنا بروحه وعطائه الذي لا ينضب.