حنين الريماوي.. حين تحطم فلسطين القيود بالحلم

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- على مضمارٍ يزدحم بالحواجز والغيوم السياسية قبل أن يزدحم بالعدّاءات، تركض حنين ثلجي الريماوي حاملةً اسم فلسطين على كتفها، وذاكرة وطنٍ مثقلٍ بالتحديات في قلبها
في الحادية والعشرين من عمرها، نجحت هذه الشابة القادمة من بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله في أن تحجز لنفسها مكانًا بين أبرز عدّاءات المسافات المتوسطة والطويلة، لا بوصفها لاعبة أرقام فقط، بل بوصفها حكاية إصرار فلسطينية مكتملة الملامح.
تجسّد حنين ثلجي الريماوي، عدّاءة منتخب فلسطين للمسافات المتوسطة والطويلة، نموذجًا لإرادة رياضية تتحدى الواقع الفلسطيني المعقّد. منذ اكتشاف موهبتها في المدرسة، شقّت ابنة بلدة بيت ريما طريقها بثبات نحو المنافسات المحلية والدولية، مدعومة بعائلة مؤمنة بخيار الرياضة، رغم شحّ الإمكانيات والحواجز والإغلاقات التي ترافق تدريبها ومشاركاتها.
راكمت حنين إنجازات بارزة، أبرزها ميداليتان برونزيتان عربيتان في سباق 10 كيلومترات، ومشاركات دولية بدأت في سن مبكرة، لتؤكد أن الإنجاز لا يُقاس بالميداليات فقط، بل بتحطيم الأرقام الشخصية وتجاوز الظروف.
بدأت الحكاية مبكرًا، في الصف الثامن الأساسي، حين التقطت معلمة الرياضة موهبة الطالبة الصغيرة في حصص المدرسة. لم تكن حينها سوى طفلة تحب الركض بالفطرة، لكن سرعان ما تحوّل الحب إلى مسارٍ تنافسي؛ مشاركات مدرسية، ثم بطولات على مستوى محافظة رام الله، فمنافسات شملت محافظات فلسطين، حيث حصدت المراكز الأولى تباعًا. وفي عام 2019، كان التحوّل المفصلي بانضمامها – مع شقيقاتها الأربع – إلى منتخب فلسطين لألعاب القوى، لتبدأ مرحلة جديدة من الالتزام والتدريب الاحترافي.
لم يكن اختيارها للرياضة محض صدفة؛ فالبيت – كما تقول حنين لـ "الحياة الجديدة"، كان مهيأً لهذا الطريق. والدها وإخوتها مارسوا الركض من قبل، وكانوا الداعمين الأوائل لمسيرتها.
غير أن الركض في فلسطين لا يشبه الركض في أي مكان آخر. فإلى جانب شحّ الإمكانيات، وغياب المعسكرات المتخصصة، تعترض العدّاءة الشابة عوائق يومية؛ طرق مغلقة، حواجز مفاجئة، ومنع من المشاركة في بعض البطولات الدولية. "كانت هناك أيام أصل فيها إلى التدريب بشقّ الأنفس"، تقول حنين، “لكن الإرادة كانت دائمًا أقوى من الإغلاق". تؤكد.
وبرغم ذلك، صنعت حنين سجلًا حافلًا بالإنجازات. عشرات الميداليات والكؤوس في البطولات المحلية، وأولى مشاركاتها الدولية كانت في تونس بعمر 15 عامًا. بالنسبة لها، لا تُختصر الإنجازات بالميداليات وحدها، فالركض "لعبة أرقام وأزمنة"، وتحطيم الرقم الشخصي يُعد نصرًا بحد ذاته. ومع ذلك، جاء التتويج العربي ليمنح القصة بريقها؛ ميدالية برونزية في سباق 10 كيلومترات في البطولة العربية للكبار بمراكش عام 2023، لتكون أصغر لاعبة على المضمار. ثم برونزية ثانية في المسافة ذاتها ببطولة غرب آسيا في العراق، أهدتها لروح مدربها الشهيد بلال أبو سمعان.
أما المشهد الذي لا يغادر ذاكرتها، فكان في بطولة آسيا بالعراق؛ سباق بدأ من المطار قبل أن يبدأ على المضمار. تأخير في الرحلة، عطل في الطائرة، وصول قبل ساعات قليلة من المنافسة، توتر ودموع وحافلة تتأخر وسط أزمة خانقة. "كنت على وشك أن أفقد السباق"، تروي حنين، وتكمل: "لكنني رفضت الاستسلام". بمساعدة شرطي فتح الطريق، وصلت راكضة إلى الملعب عند النداء الأخير، بلا تجهيز كافٍ، وحرارة مرتفعة، وإرهاق جسدي ونفسي. في اللفات الأخيرة، كانت تناجي نفسها، تستحضر أهلها، الأسرى، غزة، واسم مدربها الشهيد. ومع هتاف الجمهور "فلسطين"، عبرت خط النهاية، منهكةً ومرفوعة الرأس، لتحصد ميدالية جديدة وتؤكد أن المستحيل ليس فلسطينيًا.
اليوم، توازن حنين بين دراستها الجامعية – السنة الرابعة بكالوريوس تربية رياضية في جامعة القدس/أبو ديس – وبين برنامج تدريبي صارم، يراعي خصوصية مسافاتها ويهدف إلى تطوير أرقامها وقدراتها الفنية، بدعم مباشر من مدربيها في المنتخب.
طموح حنين لا يتوقف؛ تحلم بالوصول إلى الأولمبياد، وبميدالية ذهبية ترفع العلم الفلسطيني في أكبر محفل رياضي عالمي. تدرك أن الطريق طويل، لكن الاستمرارية، والانضباط، والحفاظ على اللياقة، والدعم المعنوي من العائلة، والاتحاد، واللجنة الأولمبية، ومدربها الدكتور مازن الخطيب، هي وقودها اليومي. وكان آخر إنجازاتها تحطيم رقمها الشخصي في سباق 800 متر من 3:32 إلى 2:21 خلال بطولة في كوريا، في قفزة نوعية تعكس حجم التطور.
وفي ختام حديثها لـ "الحياة الجديدة"، توجه حنين رسالة تتجاوز الرياضة: "تمسكوا بما تحبون، الإرادة توصلكم لأهدافكم. وللفتيات تحديدًا: ضعن هدفًا، ادعمن أنفسكن، وابنين شخصيتكن".
هكذا تركض حنين الريماوي، لا لتسبق منافساتِها فقط، بل لتسبق الظروف، وتثبت أن فلسطين، حتى على المضمار، قادرة على الوصول.
مواضيع ذات صلة
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
نابلس تصون الذاكرة بشعبونيتها
استشهاد مواطن في استهداف الاحتلال حي التفاح شرق مدينة غزة
برهم يبحث مع صندوق النفقة تعزيز التعاون لخدمة التعليم
الشيخ يلتقي السفير المصري
الاحتلال يقتحم قرى كفر مالك وأبو فلاح والمغير شمال شرق رام الله