كلاريس ليسبكتور.. الروح التي أعادت تعريف الرواية
مهيب البرغوثي

كلاريس ليسبكتور (1920–1977) واحدة من أكثر الروائيات تميزا والتزاما في الأدب العالمي، وهي صوت حداثي فارق؛ جعلها تقارن بكبار الأدباء مثل فرجينيا وولف وفرانز كافكا. ولدت في أوكرانيا ثم فرت من الاضطهاد، ثم استقرت في البرازيل حيث نشأت وتشكلت هويتها الأدبية والثقافية. وعلى الرغم من مسيرتها القصيرة نسبيا، تركت ليسبكتور إرثا أدبيا عميقا أثر في أجيال من الكتاب والقراء.
البدايات.. طفولة صغيرة وحلم كبير
وصلت عائلة ليسبكتور إلى البرازيل وكانت كلاريس لا تزال طفلة صغيرة. نشأت في بيئة فقيرة نسبيا، لكنها كانت محبة للتعلم، وبرعت منذ الصغر في القراءة والكتابة. درست القانون، غير أن الأدب كان شغفها الأول، فبدأت مسيرتها الأدبية وهي في سن المراهقة.
وفي الثالثة والعشرين من عمرها، صدرت أول رواية لها بعنوان "قرب القلب البري"، التي فاجأت الأوساط الأدبية بأسلوبها الجديد القائم على الوعي الداخلي والسرد النفسي العميق.
معرفة بوصفها تجربة
يحمل أدب ليسبكتور صفة فرادة تجعل المعرفة فيه مساحة خاصة، تستكشف من خلالها أعماق النفس الإنسانية. تصبح كل شخصية قادرة على التأمل الفلسفي، وتتحول هذه الفلسفة إلى جزء من نسيج الحبكة.
لغة مكثفة وشعرية
أسلوبها أقرب إلى الشعر منه إلى السرد التقليدي؛ إذ تعتمد على جمل قصيرة وأحيانا غامضة، لكنها عميقة، وتهدف إلى إعادة التفكير في العالم.
الانتباه للتفاصيل اليومية
تركز ليسبكتور على التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، لتكشف من خلالها طبقات من الدلالة الوجودية. قدرتها على تحويل اللحظات العادية إلى لحظات كشف داخلي تعد إحدى أبرز نقاط قوتها.
تحطيم البنية التقليدية للرواية
لا تتقيد بالبنية الروائية التقليدية؛ فالحبكة عندها ثانوية، بينما يحتل الوعي والانفعال واللحظة الآنية مركز السرد.
أعمالها البارزة
من أشهر أعمالها التي نالت اعترافا عالميا:
- "قرب القلب البري": فتح الباب أمام شهرتها كصوت أدبي جديد ومختلف.
- "الغدانة": رحلة روحية وفلسفية كثيفة لامرأة تواجه وجودها بعد حدث غريب.
- "ساعة النجمة": آخر أعمالها ومن أكثرها قربا لروحها؛ تمزج فيها السخرية بالحزن لتروي مأساة فتاة بسيطة في مجتمع قاس.
- "روابط عائلية": مجموعة قصصية تبرز قدرتها على تحويل العلاقات العائلية إلى مساحة لاكتشاف الأعماق النفسية.
تأثير أدبها
أصبحت ليسبكتور تقرأ اليوم على نطاق عالمي، وترجمت أعمالها إلى عشرات اللغات. ويعتبرها كثير من النقاد واحدة من أهم كاتبات القرن العشرين، نظرا لقدرتها على اختراق الحدود بين الفلسفة والأدب، وبين الشعر والسرد.
وقد أثرت في أجيال من الروائيين والكتاب في البرازيل والعالم والعالم العربي، حيث تدرس أعمالها في الجامعات بوصفها نموذجا للكتابة الحداثية وللاستبطان النفسي العميق.
رحيلها وإرثها
رحلت كلاريس ليسبكتور عام 1977 بعد صراع مع المرض، لكنها تركت وراءها إرثا أدبيا لا يزال ينبض بالحياة. تستمر نصوصها في إثارة قراءات جديدة، لأنها ليست مجرد أعمال للتسلية، بل نصوص تسائل الذات والحياة والوجود.
ليسبكتور ليست مجرد روائية برازيلية بارزة؛ إنها صوت أدبي عالمي استطاع تحويل الرواية إلى مساحة للتأمل الفلسفي واكتشاف الذات. يدخل القارئ إلى عالمها الأدبي فيتحرك بين الدهشة والانجذاب، بين الغموض والوضوح، وكأنه يخطو إلى عالم نفسي يتجدد مع كل قراءة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين