عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 06 كانون الأول 2025

محمد ملحم.. جسد على الأرض وأحلام تعانق السماء

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- يتحدى محمد سعيد ملحم إعاقته، ويرسم من فوق عربته المتحركة مسار أحلامه، التي توجها بالحصول على منحة دراسات عليا، وعمله في الإشراف التربوي منذ نحو عقدين.

وترافق ملحم منذ الولادة إعاقة بفعل هشاشة العظام، إلا أنه متن خطواته ووصل إلى أهدافه باقتدار.

يوجز ملحم لـ"الحياة الجديدة" قصته التي استهلها يوم ميلاده في 23 أيار 1971، بعجز في ساقيه، جعلته يلتصق بكرسيه النقال، وحرمه من التحرك الحر في طرقات بلدته كفر راعي، التي تستلقي جنوب غرب جنين.

ويتابع: صارت هذه العربة جزءا من حياتي، وكبرت معي، وتغيرت ألوانها بين أحمر وأخضر وازرق وأسود، لوعورة الطرقات، وعدم تخطيط الأماكن العامة لاستيعاب من هم مثلي، وبقيت هي ذاتها.

 

دمج ذاتي

لم تمنع الإعاقة ملحم من الصعود، فعلى العكس من محاولات والدته المتكررة لثنيه، قبل رحيلها، عن الذهاب إلى المدرسة لثلاث سنوات، تحولت أمه وعائلته الكبيرة إلى سبب في دمجه بالمجتمع، وسط تراجع دور مؤسسات الرعاية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة.

ووفق ملحم، فقد تنقل بين مدرسة بلدته وأخرى مجاورة، وساعده شقيقه كثيرا في الذهاب والإياب. وعاش لحظات عصيبة، لكنه صمم على التحدي، وكان دائما صاحب الرقم واحد في الصف، وانتزع المركز الأول في الفرع الأدبي بالثانوية العامة على مستوى جنين كلها.

كان محمد محبوبا بين الطلبة والمعلمين، واستطاع الوصول إلى قلوبهم بسرعة، ما ساعده على تناسي أوجاعه.

يكمل: أحب المغامرات والتحدي والنجومية. وتنقلت بين أكثر من جامعة، لكنني وجدت صعوبة كبيرة في التعامل مع الكثير منها، لأنها لم تراع وضعي في أبنيتها وأدراجها وإجراءاتها.

يتذكر بمرارة: وصلت لجامعتين للتسجيل، وسمعت كلاما أحبطني لوقت قصير، فقالت لي مشرفة السكنات، اذهب إلى بلدة مجاورة وفتش عن سكن مناسب لك.

تعرف ملحم إلى جمعية الشبان المسيحية، وساعدته في العثور على جامعة مناسبة. ووصل إلى  جامعة بيت لحم لدراسة علم الاجتماع وعلم النفس.

وتبعا لملحم، فقد كانت الحياة الجامعية صعبة بعض الشيء، واكتشف عجزه في لحظات كثيرة، غير أنه صمم على النجاح، وتخرجت بامتياز وكرمته الجامعة.

 

إصرار

يستذكر كلمات سمعها من زميلاته الجامعيات قللن من شأنه، واستغربن لحظات التكريم التي حظي بها، وممارسته لأعمال السكن الجامعي كالجلي وتحضير الطعام وغسل الملابس.

يتنقل محمد بين المدن، ويساعده شقيقه وأبناء إخوته على قيادة سيارته، وتجاوز صعوبات السفر، لكن ذلك لم يحد من طموحاته وإصراره.

يتذكر ملحم الإعلان الذي اقتطعه من صحيفة محلية، في لحظات عصيبة رافقت اجتياح مدن الضفة الفلسطينية إبان الانتفاضة الثانية.

كان النص يتحدث عن منحة مؤسسة فورد الأميركية، لإكمال الدراسات العليا.

وصل محمد إلى المنحة بمراحلها الطويلة، واختار دراسة العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، وعاد متفوقا.

ويشير لا يمكن أن أنسى كيف غرقت في مياه المطر غير مرة، وانا أتنقل إلى الجامعة. وقتها كان الوقت متأخرا، والمطر غزيرا، لكن ذلك ليس أسهل من التنقل عبر الجسر وسط الزحمة والإجراءات الطويلة والانتظار.

سافر ملحم إلى الولايات المتحدة، لتعلم الإنجليزية، وأعجب بالاهتمام الكبير بمن هم في خانته، فكل التسهيلات تمنح لهم في الشارع والحافلات والجامعات، وحتى الابتسامات.

مما لا يغادر ذاكرته من تمييز يقول إنه يحطم حياته، إعادة تذكيره بإعاقته من مؤسسات المجتمع، حتى التي ترفع شعار الدمج وإنصاف الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

عوائق

يقول بحزن: كانت أول تلك الصعوبات ضياع فرصتي في منحة جامعية في المملكة المغربية، رغم معدلي في الثانوية العامة وأهليتي لتلك المنحة، أما حجة المانحين هو عدم قدرتي على العيش بالخارج وحيدا وحاجتي للمساعدة، ولا أعرف كيف أصدروا حكمهم المسبق على ذلك.

ولم يثن ضياعها من عزمي في الدراسة الجامعية فتوجهت إلى جامعة النجاح الوطنية، ولكنني رجعت من باب الجامعة لأنني أدركت الصعوبات الكبيرة التي ستواجهني فيها خاصة في الحرم القديم حيث لم تكن بنياتها مؤهلة وخرجت من باب الجامعة محبطا، ثم توجهت إلى بيرزيت وكانت أفضل نوعا ما لوجود بعض التسهيلات في بعض الكليات وقدمت امتحان القبول، وقبلت في كليه التجارة والاقتصاد، ولكن عدم وجود مسكن مؤهل وقلة الخبرة، والتجربة وعدم مساعدة المرشدة لي أجبرتني على الانسحاب مرة أخرى.

ظل حلم محمد بالدراسة الجامعية يراوده فالتحق بجامعة القدس المفتوحة، ولكنه انسحب منها مرة أخرى، وانتظر بعد الثانوية سنتين لإتمام دراسته.

 

تمييز سلبي

يضيف: شعرت مرارا بالعزلة والوحدة في الجامعة، وسمعت كلاما أليما من بعض الفتيات. وكنت أدفع نفسي بكرسي العجلات لمسافة معينة ثم يأتي أحد المارة ويدفعني لمسافة أخرى، وآخر كذلك حتى أصل إلى الجامعة أو البيت، ولم يكن بمقدوري استئجار تكسي بشكل يومي، ولم أكن ارغب في ذلك، كنت مسرورا بالصعوبات، وأشعر بلذة التحدي والانتصار وكنت أحب أن أثبت لنفسي أني أستطيع.

لمع نجم ملحم الأكاديمي مرارا، وحصل على درجة الشرف ثلاث مرات، وتخصصت في علم الاجتماع وعلم النفس، ثم واصل دراساته العليا في العلوم السياسية.

يقول: تقدمت بطلب للحصول على منحة لدرجة الماجستير من مؤسسة فورد، وكنت احد الفائزين بالمنحة من بين 600 مرشح، وكان من المفترض أن أتوجه للدراسة في بريطانيا، إلا أن خوف المانحين من ظهور مشاكل تعيق دراستي نتيجة لوضعي، جعلهم يقررون من جانب واحد دراستي في الجامعة الأردنية، وما زلت أشعر بحجم التمييز الذي يتعرض له الأشخاص ذوي الإعاقة، حتى لو رفعت شعارات تدعي عكس ذلك.

اجتاز ملحم دراسته العليا بامتياز، وهزم صعوبات الحركة والتنقل من الجامعة وإليها وعبر الجسور والمعابر أثناء السفر. وحرص على اصطحاب كرسيه الكهربائي.

يكمل: أعمل منذ 18 عاما مرشدا تربويا في مدرسة ذكور كفر راعي الأساسية، ونلت جائزة فلسطين للتميز والإبداع عام 2013 عن قصة طموحي التعليمية.

ووفق ملحم، فإنه لا يشعر بتمييز سلبي من إدارة المدرسة، ورفاق مهنته ومن طلبته وأولياء الأمور، الذين يساهمون في التخفيف عنه.

ينهي: أحلم بإكمال الدكتوراة، لكنني أتمنى الحصول على منحة، بالرغم من تعرضي لكسر قبل سنتين، فاقم أوجاعي، لكن شغفي بالدراسة لا يتوقف.