ماركيز… الخال الذي اختفت آثاره
مهيب البرغوثي

قرأت غابرييل غارسيا ماركيز في سن مبكرة جدا. لم أحب كتابته فقط، بل أعجبت بشخصيته إلى حد أنني علقت صورته على جدار منزلي. وكان كل من يدخل يسألني بفضول:
"هل هذه صورة والدك؟"
فأجيب مبتسما:
"لا، إنه كاتب كولومبي اسمه ماركيز".
ومع تكرار السؤال، ومع كل المرات التي تعبت فيها من الشرح، وجدت نفسي أجيب على نحو مختلف، بنبرة تختلط فيها المزاح بالاستسلام:
"إنه خالي".
ثم بدأت أرتجل التفاصيل وكأنني أكتب بداية رواية:
هاجر من كوبا إلى كولومبيا، تزوج هناك، أنجب، واختفت آثاره.. تماما كما تختفي شخصيات ماركيزية في ضباب السرد.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ أن الناس يصدقونني. لم تعد الإجابة مجرد مزحة عفوية، بل تحولت شيئا فشيئا إلى أسطورة صغيرة تسكن زاوية من الذاكرة. والأغرب أنني نفسي بدأت أشعر بنوع من الارتباط العاطفي بتلك الحكاية المختلقة، وكأن الخيال قرر أن يتسلل إلى سيرة العائلة ويترك بصمته هناك.
وذات يوم جاء أحد الأصدقاء يحمل نسخة من "مائة عام من العزلة"، ونظر إلى الصورة على الجدار ثم قال:
"أتعرف؟ أشعر أن ماركيز كان يعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك".
فأجبته ضاحكا:
"طبعا… إنه خالي، لكنه لا يحب الظهور كثيرا".
كبرت الحكاية في رأسي كما تكبر الشائعة في قرية لاتينية. صرت أشعر بأنني أنتمي إلى عالم السحر الواقعي بكل تناقضاته، إلى ذلك الفضاء الذي تختلط فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول التفاصيل البسيطة إلى لبنات في حكاية كبرى. كنت أرى الناس من حولي يعيشون عزلاتهم المتشابكة، تماما كما رسمها ماركيز في رواياته، بينما كنت أنا مشغولا بصناعة "خال" من ورق وحبر وتخيل.
مع مرور الزمن لم تعد القصة مجرد طرفة، بل أصبحت جزءا من هويتي الداخلية. صار "الخال" الذي اخترعته يمنحني نوعا من التوازن وسط فوضى الحياة. كانت صورته على الجدار - صورة رجل لا يعرف عني شيئا - تذكرني دائما بأن الخيال ليس مجرد مساحة للهروب، بل قدرة على خلق واقع آخر مواز، يخفف وطأة العالم الحقيقي ويمنحنا هوية نختارها نحن.
واليوم، حين أستعيد تلك البدايات، أتساءل أحيانا:
هل كنت أنا الذي اخترع "الخال"؟
أم أن ماركيز نفسه ترك بابا صغيرا في كتبه يسمح لنا بأن ندخل عالمه ونصير جزءا منه؟
ربما كان خالي المجهول مجرد فكرة، حلما نما ببطء على طريقة ماركيز، حتى صار حقيقية صغيرة أعيش معها.. وحقيقة أخرى أعلقها على الجدار.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين